خطبتا صلاة الجمعة 30 صفر 1448 - 14 أغسطس 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم

 




الخطبة الأولى: لا يغرّنك ظاهرهم!

في بحار الأنوار: (عن الرضا عليه السلام: قال علي بن الحسين عليهما السلام: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته، فرويداً لا يغرنكم، فما أكثر من يُعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته وجبن قلبه، فنصب الدين فخاً لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره، فإن تمكن من حرام اقتحمه. وإذا وجدتموه يعف عن المال الحرام) وهذا مؤشر إيجابي ولكنه غير كاف (فرويداً لا يغرنكم، فإن شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرّماً. فإذا وجدتموه يعف عن ذلك) وهذا مؤشر إيجابي ولكنه غير كاف (فرويداً لا يغركم حتى تنظروا ما عقده عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع، ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر مما يصلحه بعقله، فإذا وجدتم عقله متينا) وهذا مؤشر إيجابي ولكنه غير كاف (فرويدا لا يغركم حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله؟ أو يكون مع عقله على هواه؟ وكيف محبته للرئاسات الباطلة وزهده فيها فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة يترك الدنيا للدنيا، ويرى أن لذة الرئاسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة) يمكن يكون رجل دين ويمكن يكون من المعروفين بالزهد والأخلاق ووو ولكنه يفعل ذلك من أجل أن يكون مطاعاً، هذه هي شهوته (حتى إذا قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد. فهو يخبط خبط عشواء يقوده أوَّلُ باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه. فهو يُحلّ ما حرّم الله، ويُحرّم ما أحلّ الله، لا يبالي بما فات من دينه إذا سلمت له رئاستُه التي قد يتّقي مِن أجلها، فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاباً مهيناً).


الخطبة الثانية: الفارق الحرج بين الدين والتدين

الدين هو ما نزل من عند الله من الإيمان والقرآن والتشريعات والحكمة: (هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ) [الجمعة:2].

• وأما ما أفهمه أنا وما آخذه وما ألتزم به وما أتركه يسمى تديناً، قد يكون صواباً وقد يكون خطأً.

الدين يقول: (وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا) [المائدة:88].

الدين يقول: (وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُم) [النور:32].

الدين يقول: (قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ) [الأعراف:32].

ولكن فلنلاحظ نموذج متدينين أخطأوا فهم الدين والالتزام به.

في الكافي: عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال: (إن ثلاث نسوة أتين رسول اللَّه [ص] فقالت إحداهن: إن زوجي لا يأكل اللحم، وقالت الأخرى: إن زوجي لا يشم الطيب. وقالت الأخرى: إن زوجي لا يقرب النساء، فخرج رسول اللَّه [ص] يجر رداه حتّى صعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام من أصحابي لا يأكلون اللحم، ولا يشمّون الطيب، ولا يأتون النساء؟ أما إني آكل اللحم، وأشم الطيب وآتي النساء، فمن رغب عن سنّتي فليس مني). أقدموا على ذلك بتصور أنّ هذا من الدين، وأنه تديّن، ولكنهم أخطأوا.

في الكافي: عن سليمان بن معلى بن خنيس ، عن أبيه قال : (سأل أبو عبد الله [ع] عن رجل وأنا عنده فقيل له : أصابته الحاجة ، قال : فما يصنع اليوم ؟ قيل : في البيت يعبد ربه قال : فمن أين قوته ؟ قيل : من عند بعض إخوانه. فقال أبو عبد الله [ع] : والله للذي يقوته أشد عبادة منه) .أقدم على ذلك بتصوّر أنه من الدين، وأنه تديّن، ولكنه أخطأ.

• في معاني الأخبار للصدوق عن الصادق (ع) قال: (إن من اتبع هواه وأُعجب برأيه كان كرجل سَمِعْتُ غثاء العامة تُعظّمه وتصفُه، فأحببتُ لقاءه من حيث لا يعرفني، فرأيته قد أحدق به خلق كثير من غثاء العامة، فما زال يراوغهم حتى فارقهم ولم يقِر) ما رجع إلى بيته بل صار يتنقل (فتبعته، فلم يلبث أن مر بخباز فتغفّله، فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة، فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي: لعله معاملة، ثم مر بعده بصاحب رمان فما زال به حتى تغفله وأخذ من عنده رمانتين مسارقة، فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي : لعله معاملة، ثم أقول: وما حاجته إذاً إلى المسارقة؟! ثم لم أزل أتبعه حتى مر بمريض فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه -ثم ذكر أنه سأله عن فعله- فقال له: لعلك جعفر بن محمد؟ قلت: بلى، فقال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك؟! فقلت: وما الذي جهلت منه؟ قال: قول الله عزّ وجل: مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا، وإني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين، ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين، فهذه أربع سيئات، فلما تصدقت بكل واحدة منها كان لي أربعين حسنة، فانتقص من أربعين حسنة أربع سيئات وبقى لي ست وثلاثون حسنة، فقلت له: ثكِلتك أمك، أنت الجاهل بكتاب الله، أما سمعت الله عزّوجلّ يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ؟ إنك لما سرقت رغيفين كانت سيئتين، ولما سرقت رمانتين كانت أيضاً سيئتين، ولما دفعتهما إلى غير صاحبهما بغير أمر صاحبهما كنت إنما أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات) لأن التصرف بها حرام أيضاً (ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات، فجعل يلاحظني، فانصرفت وتركته. قال الصادق [ع]: بمثل هذا التأويل القبيح المستكرَه يَضلِّون ويُضِلّون).

هذا الجاهل الوقح أقدم على ذلك بتصوّر أنه من الدين، بدليل استشهاده بالآية، وأنه تديّن، ولكنه أخطأ من خلال التعامل مع الدين وكأنه تاجر من خلال توظيف آيات الثواب.

وما زال كثير من المتدينين يمارسون ذلك! تقول له: لا تترك عملك وتعطل مصالح الناس بادعاء المرض وتسافر للإتيان بعمرة، فيحسب الأمر رياضياً بنفس الطريقة، وفي العمرة أستغفر مما أقدمت عليه وأتوب... هذا اتباع للهوى بتعبير الصادق (ع) وجهل بالدين.

وقد يصل الأمر إلى حدٍّ خطير ومدمّر، على المستوى الفردي وعلى المستوى الجماعي.

فما قام به الخوارج في زمن ظهورهم، وفي امتدادتهم التاريخية إلى اليوم، هو ناشئ عن التدين السلبي، وفي الحديث: (يُحقّر أحدُكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم) ولكن هل هم ملتزمون بالدين فعلاً؟ (يمرقون من الدين كمروق السهم من الرمية).

ولذا عندما نريد أن نقيّم شخصاً، أو نريد إجراء معاملة معه، أو يريد الزواج، أو استُشرنا فيه لأمر، ونقول -أو يقال لنا- إنه متدين، فلننتبه من هذا الوصف، ما المراد منه، فمعايير الناس مختلفة، وفهمهم للدين متفاوت، وقد يكون هذا الإنسان متديناً في تصوري، لأن معاييري في التدين هي هذه، ويتبيّن أنه ظالم، وبلا أخلاق.

تقول: تزوجت رجلاً على أنه شديد التدين، بل وله نحو من الارتباط بالغيب، وأنه من رجال الله، وفي غضون أقل من شهر اكتشفت أنه من أشد الناس ظلماً، وما زلت -على مدى سنوات- أعاني في المحاكم بسبب شكاواه وافتراءاته المتواصلة علي حتى بعد طلاقي.

• إن الفارق بين الدين والتديّن يتمثّل في أن الدين هو ما أنزل الله في كتابه من قواعد الإيمان والتشريعات والحكمة، وأما التدين فهو فهمنا نحن للدين، فإذا كان فهماً سليماً كان تديننا إيجابياً، وإن كان فهماً خاطئاً، كان تديّننا سلبياً، وهذا يعني ضرورة أن لا يتعجّل الإنسان في تكوين مفاهيمه الدينية قبل أن يتثبّت منها بطريقة أو بأخرى، ولا سيما بالعرض على كتاب الله تعالى، وقبل أن يستمع إلى الرأي والرأي الآخر، ويستشير ويتدبّر، لاسيما وأن الخطأ قد يكون كارثياً كتديّن الخوارج الذي أدّى بهم للمروق على إمام زمانهم، واستباحة الدماء والفروج والأموال، وتحريف مفاهيم الدين، وما يقع باسم الدين، أو من أجل الدين، أو للخطأ في فهم الدين، سيكون -في الغالب- مقدَّساً عند الناس، وهنا مكمن الخطورة.


Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait