خطبتا صلاة الجمعة 23 صفر 1448 - 7 أغسطس 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم

 



الخطبة الأولى: نور الهداية وعظمة الرسالة: قراءة في الدعاء الثاني للإمام زين العابدين

الدعاء الثاني للإمام زين العابدين (عليه السلام) في الصلاة على رسول الله يبدأ بالحمد والثناء على الله إذ منّ علينا برسول الله، قال: وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْنَا بِمُحَمَّد نَبِيِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ دُونَ الأمَمِ الْمَـاضِيَةِ، وَالْقُـرُونِ السَّالِفَةِ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي لاَ تَعْجِزُ عَنْ شَيْء وَإنْ عَظُمَ، وَلا يَفُوتُهَا شَيءٌ وَإنْ لَطُفَ، فَخَتَمَ بِنَا عَلَى جَمِيع مَنْ ذَرَأَ، وَجَعَلَنَا شُهَدَاءَ عَلَى مَنْ جَحَدَ، وَكَثَّرَنا بِمَنِّهِ عَلَى مَنْ قَلَّ. فبعد أن كان الشرك والضلال يعم الأرض، صار نور الإسلام يشع عليها، ودخل الناس في دين الله أفواجاً، ببركة الجهود والتضحيات التي قدمها رسولُ الرحمة.

اللّهمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّد أَمِينِكَ عَلَى وَحْيِكَ، وَنَجِيبِكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَصَفِيِّكَ مِنْ عِبَادِكَ، إمَامِ الرَّحْمَةِ، وَقَائِدِ الْخَيْرِ، وَمِفْتَاحِ الْبَرَكَةِ، كَمَا نَصَبَ لِأمْرِكَ نَفْسَهُ، وَعَرَّضَ فِيْكَ لِلْمَكْرُوهِ بَدَنَهُ، وَكَاشَفَ فِي الدُّعَآءِ إلَيْكَ حَامَّتَهُ، وَحَارَبَ فِي رِضَاكَ أسْرَتَهُ.... وَأدْأبَ نَفْسَهُ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَتِكَ، وَأَتْعَبَهَا بِالدُّعآءِ إلَى مِلَّتِكَ، وَشَغَلَهَا بِالنُّصْحِ لِأهْلِ دَعْوَتِكَ، وَهَاجَرَ إلَى بِلاَدِ الْغُرْبَةِ وَمحَلِّ النَّأيِ عَنْ مَوْطِنِ رَحْلِهِ، وَمَوْضِـعِ رِجْلِهِ، وَمَسْقَطِ رَأسِهِ، وَمَأنَسِ نَفْسِهِ، إرَادَةً مِنْهُ لإعْزَازِ دِيْنِكَ، واسْتِنْصَاراً عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ....

ثم يختم الإمام بالدعاء لرسول الله، ونحن نؤمّن على هذا الدعاء:

اللَهُمَّ فَارْفَعْهُ بِمَا كَدَحَ فِيكَ إلَى الدَّرَجَةِ الْعُلْيَا مِنْ جَنَّتِكَ، حَتَّى لاَ يُسَاوَى فِي مَنْزِلَة، وَلا يُكَاْفَأَ فِي مَرْتَبَة، وَلاَ يُوَازِيَهُ لَدَيْكَ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلا نبيٌّ مُرْسَلٌ، وَعَرِّفْهُ فِي أهْلِهِ الطّاهِرِينَ وَاُمَّتِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ حُسْنِ الشَّفَاعَةِ أجَلَّ مَا وَعَدْتَهُ، يَا نَافِذَ الْعِدَةِ، يَا وَافِىَ الْقَوْلِ، يَا مُبَدِّلَ السّيِّئات بِأضْعَافِهَا مِنَ الْحَسَنَاتِ، إنَّكَ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ، الْجَوَادُ اَلْكَرِيمُ.


الخطبة الثانية: أدب الحوار النبوي في عصر السوشيال ميديا

نعيش اليوم في عالم رقمي مفتوح، تحولت فيه الشاشات إلى منابر، ومنصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات للنقاش. لكن هذا الفضاء الافتراضي يعاني من أزمة أخلاقية حادة: حوارات هجومية، تنمر رقمي، سرعة في نشر الشائعات، وغياب للإنصات.

وفي ذكرى وفاة النبي (ص) نريد أن نستلهم من هديه ما ينفع في هذه المعضلة المعاصرة.

المحور الأول: مهارة الإنصات، والتثبت قبل التعليق.

في فضاء السوشيال ميديا، يتسابق الجميع للكتابة والتعليق قبل الفهم.

المنهج النبوي يعلمنا الإنصات الكامل، والجيد، والحيادي، كأول خطوة للحوار الناجح.

عن جابر بن عبد الله قال: اجتمعت قريش يوما فقالوا: انظروا أعلمَكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرّق جماعتنا، وشتّت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة. فقالوا: أنت يا أبا الوليد. فأتاه عتبة، [وتكلم بكلام إلى أن قال]: فرّقت جماعتنا، وشتّت أمرَنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى لقد طار فيهم أنّ في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً. والله ما ننظر إلا مثل صيحة الحُبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، حتى نتفانى. -أيها الرجل- إنْ كان إنما بك الحاجة جمعْنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً، وإن كان إنما بك الباءة، فاختر أي نساء قريش شئت، فلنزوجك عشراً. فقال رسول الله [ص]: فرغت؟ قال: نعم. [وعندها أجابه النبي بتلاوة آيات من القرآن الكريم، إلخ الرواية].

ما أريد أن أستشهد به هنا هو أن النبي لم يقاطعه قط. استمع إليه حتى النهاية، وعندما صمت عتبة، قال له النبي: فرغت؟ فلما قال نعم، تكلم النبي بما يناسب المقام.

تعالوا الآن لتطبيق ذلك على الواقع الرقمي:

o      إذا أردت التعليق، اقرأ المنشور أو شاهد الفيديو كاملا، حتى تفهم وتتأكد ثم علق.

o      لا تقاطع فكرة كاتبها لمجرد أن بدايتها لم تعجبك أو لا تتوافق مع رأيك.

المحور الثاني: مكافحة الفيروسات الرقمية، وتجنب الشائعات

الخوارزميات الحديثة تكافئ الإثارة وسرعة النشر، مما يسهل انتشار الشائعات والأخبار المفبركة  (Fake News)

النبي (ص) وضع قانوناً حاسماً لحماية الأمن المجتمعي من هذه الفوضى حيث قال: (كَفَى بالمرءِ كَذِبًا أن يُحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ). أي أن الفرد يتحمل مسؤولية إعادة النشر، فإذا قام بذلك مع كل أو كثير مما يشاهده، فهذا يوقعه في مظنّة نشر ما هو كاذب وملفَّق، وقد يكون هذا الكذب مقصوداً من قبل عدو، ونحن بذلك نساعده في مشروعه.

وفي قضية الإفك قال سبحانه: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (17) [سورة النور]

وفي الآية 6 من سورة الحجرات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ).

تعالوا الآن لتطبيق ذلك على الواقع الرقمي:

o     قاعدة التوقف: قبل أن تضغط على زر "مشاركة" (Share) أو "إعادة تغريد" (Retweet)، أو فوروورد، اسأل نفسك: هل تثبتُّ من صحة الخبر؟

o     لا تساهم في صناعة "تريند" مشبوه أو نشر فضيحة بحجة "مستغرب" أو "منقول".

o     تذكر أن الشائعة في العصر النبوي يمكن أن تكون محدودة الأثر زمنياً، ومع هذا نجد التهديد الإلهي الشديد، أما اليوم فالشائعة الرقمية تظل حية وتنتشر عالمياً في ثوانٍ، فالخطورة أكبر.

المحور الثالث: الرد الراقي

خلف الأجهزة وفي العالم الافتراضي، وباستعمال الأسماء الرمزية، يجرؤ الكثيرون على السب والشتم والإهانة لأنهم في أمان من كشف هويتهم من قبل الآخرين.

المنهج النبوي يربط بين الإيمان وضبط ما يصدر عن الإنسان المؤمن.

في الحديث أن النبي لم يكن: (فاحِشًا، ولا لَعَّانًا، ولا سَبَّابًا) وأنه وكان يوجه أصحابه دائماً بقوله: (ليس المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَديءِ).

وهذا سواء كانت هوية المتحدث معلومة أو خفية، هذا خلق، والأخلاق لا تتجزأ.

هذا فضلاً عن أن الله سبحانه يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى [طه:7]، وأن الإنسان مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

تعالوا الآن لتطبيق ذلك على الواقع الرقمي:

o      انقد الفكرة والخطأ، ولا تهاجم شخص الكاتب أو شكله أو نبرة صوته.

o      إذا واجهت حواراً عقيماً أو سباباً، تذكر قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا) [الفرقان:63]، انسحب من النقاش بذكاء بالضغط على زر تجاهل، أو حظر دون الدخول في مهاترات.

o      تذكر أن ما تكتبه أناملك هي جزء من صحيفة أعمالك التي ستحاسَب عليها يوم القيامة.

خاتمة وتوصيات:

إن أفضل إحياء لذكرى وفاة النبي (ص) اليوم هو أن يكون هذا الإحياء محطة لتغيير واقعنا إلى ما هو أرضى لله تعالى، وأقرب للاقتداء برسول الله (ص)، ومن ذلك أن نكون خيرَ سفراء لأخلاقه وتوصياته في العالم الرقمي. السوشيال ميديا ليس فضاءً معزولاً عن الدين، بل هو امتداد لواقعنا، فاجعل مشاركتك في هذا العالم الافتراضي منصة للبناء لا للهدم، وإذا رأيت جهلاً، فليكن ردّك عليه بعلم وأدب، أو باختيار الصمت أو الإعراض وقد قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ) [الأنعام:68]،   وتذكر دائماً القاعدة الذهبية: اكتب ما يسرك أن تراه في كتاب أعمالك فحسب.


Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait