خطبتا صلاة الجمعة 21 أغسطس 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم
الخطبة الأولى: وصية الإمام العسكري (ع)
في ذكرى استشهاد الإمام الحسن العسكري(ع) نتوقف عند
وصيته لبعض شيعته كما روي في تحف العقول أنه كتب(ع):
(أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى
اللَّهِ، وَالْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ، وَالِاجْتِهَادِ لِلَّهِ، وَصِدْقِ
الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ مِنْ بَرٍّ أَوْ
فَاجِرٍ، وَطُولِ السُّجُودِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ؛ فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ [ص]،
صَلُّوا فِي عَشَائِرِهِمْ، وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ، وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ،
وَأَدُّوا حُقُوقَهُمْ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ وَصَدَقَ
فِي حَدِيثِهِ وَأَدَّى الْأَمَانَةَ وَحَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ، قِيلَ
هَذَا شِيعِيٌّ فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ. اتَّقُوا اللَّهَ، وَكُونُوا زَيْناً وَلَا
تَكُونُوا شَيْناً، جرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ، وَادْفَعُوا عَنَّا كُلَّ
قَبِيحٍ؛ فَإِنَّهُ مَا قِيلَ فِينَا مِنْ حُسْنٍ فَنَحْنُ أَهْلُهُ، وَمَا قِيلَ
فِينَا مِنْ سُوءٍ فَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ. لَنَا حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَقَرَابَةٌ
مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، وَتَطْهِيرٌ مِنَ اللَّهِ، لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ غَيْرُنَا
إِلَّا كَذَّابٌ. أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ، وَذِكْرَ الْمَوْتِ، وَتِلَاوَةَ
الْقُرْآنِ، وَالصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ [ص]؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ
اللَّهِ عَشْرُ حَسَنَات. احْفَظُوا مَا وَصَّيْتُكُمْ بِهِ، وَأَسْتَوْدِعُكُمُ
اللَّهَ، وَأَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ).
وستكون لنا وقفة في الخطبة الثانية
مع وصية الإمام (ع).
الخطبة الثانية: تأملات تحليلية في وصية الإمام
لو قمنا بتحليل الوصية السابقة في أبعادها المتنوعة، فسنجد
بُعد العبودية لله وانعكاسات هذا البعد حاضراً بقوة، ومن ذلك:
1. الإخلاص لله في العبودية. الأئمة (ع) كانوا حساسين من هذه الناحية حتى على مستوى
التعبير والكلام، على خلاف كثير من الناس الذين يتساهلون في الأمر.
في تفسير العياشي: عن مالك بن عطية، عن أبي عبد الله (ع):
في قوله: (وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ)
[يوسف:106]، قال: هو قول الرجل لولا فلان لهلكت، ولولا فلان لأصبت كذا وكذا، ولولا فلان لضاع عيالي. ألا ترى
أنه قد جعل شريكاً في ملكه يرزقه
ويدفع عنه؟ قال: قلت: فيقول:
لولا أنّ الله منّ عليّ بفلان لهلكت؟ قال: نعم لا بأس بهذا).
هذا
النوع من الشرك لا يُخرج الإنسان من الإسلام، ولكنه يمثّل خللاً في كمال الإخلاص.
أما نحن، فكثير منا يكرر: أتوكل على الله وعليك، في حين أن رسالة الله واضحة حيث يقول: (وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِ) [الطلاق:3].
2. التقوى كحالة وجدانية، والورع
كانعكاس سلوكي للتقوى.
التقوى
ليست حالة مرتبطة بظاهر الإنسان، بل حالة عميقة في نفسه... رقابة ذاتية... وهذه
الرقابة الذاتية لها انعكاساتها، وأهم تلك الانعكاسات الورع في سلوكه.
ولذا ذكر الإمام عناوين من انعكاسات التقوى والورع، من
بينها: أداء الأمانة، والصدق، وحسن الخلق، وطيب المعاشرة، وغيرها مما جاء
في الوصية.
نتذكر وصايا النبي (ص) عند استقبال شهر رمضان، يرويها ابن
عقدة بالإسناد عن الإمام الرضا عن أبيه ويتسلسل السند إلى أن يصل إلى أمير
المؤمنين فرسول الله (ص)، وبعد أن يعرض وصايا النبي، (قال أمير المؤمنين [ع]:
فقمت، فقلت: يا رسول اللّه ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن،
أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم اللّه عزّ وجلّ).
الشيخ
الطوسي في التهذيب يروي عن صفوان الجمال قال: (سمعت أبا عبد الله [ع] يقول: ما
يُعبأ بمن يؤم هذا البيت) يذهب إلى الحج إلى العمرة (إذا لم يكن فيه خصال
ثلاث: حلم يملك به غضبَه، وخلق يخالق به من صحبه، وورع يحجزه عن معاصي الله).
من
يريد أن يكون لحجه أو لعمرته قيمة
عند الله، فلا يكفي أن ينفق ماله ويسافر ويأتي
بالأعمال بحسب التعاليم
الفقهية، فهذه التشريعات، الصيام والحج والعمرة ليست مطلوبة في ذاتها، بل لآثارها،
ومنها: لعلكم تتقون، والورع الذي يحجز الإنسان عن المعاصي.
3. الجد والاجتهاد في هذا
الطريق، مع العناية الفائقة بالذكر والعبادة.
البعض ما يقومون يصلون المغرب والعشاء إلا الساعة 10 و11
مساء، وعلى تململ، والبعض لا يخطر الله على باله خلال اليوم إلا نادراً، فطوال
الوقت هو مشغول بالروتين اليومي، والترفيه عن النفس، والعبث بالهاتف الجوال، وغير
ذلك.
هذه من صفات المنافقين: (إِنَّ
ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى
ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا)
[النساء:142]. لا أقول أنه صار من المنافقين، فالإيمان موجود، ولكن هل يحب الإنسان
أن يتصف بصفة من صفات المنافقين؟
من لديه مشروع ويهتم به لا يكون هكذا متراخياً مهملاً.
ولنلاحظ إبليس عندما أسس مشروعه: (قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ
لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ، ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ
وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ
أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ) [الأعراف:16-17].
جد، واجتهاد، ومحاولات متكررة، وإصرار وعزيمة، وخطط
بديلة. وكل هذا في الباطل.
ولا أدري ما السر أن عزائم أهل الباطل تكون قوية -غالباً- على خلاف أهل الحق!
في نهج البلاغة، الإمام (ع) في أواخر أيامه يتحسر من وهن العزيمة عند أتباعه: (فَيَا عَجَباً! عَجَباً -وَاللَّهِ- يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَيَجْلِبُ الْهَمَّ، مِنِ اجْتِمَاعِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى بَاطِلِهِمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ). وما النتيجة من وراء ذلك؟ (وَإِنِّي وَاللَّهِ لأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ) أي ستكون لهم الغلبة.. هذه هي النتيجة الطبيعية عند وهن العزيمة.
من
لديهم مشاريع لإفساد أبنائنا وشبابنا عزائمهم قوية، ويعملون على طريقة إبليس:
(لَأَقۡعُدَنَّ
لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ، ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ
خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن
شَمَآئِلِهِمۡ).. تارة يطلقون مشروع الإلحاد، ثم الفتن الطائفية، ثم الجندرة،
ثم الشذوذ... إلخ.
وأما
أهل الحق فينتظرون رحمةَ الله، إلا مَن استُثني منهم. لا جد، ولا اجتهاد، ولا إبداع،
ولا عزيمة، ولا خطط بديلة... بل حوقلة وتشكّي.
الخلاصة: إن ممّا اعتنى به الإمام
العسكري (ع) في وصيتِه: بيانُ
حقيقة الانتماء إلى مدرسة أهل البيت(ع)، ورأسُ ذلك: العبوديةُ والتوحيدُ
والإخلاصُ لله، والجدُ والاجتهادُ في العمل الصالح، والتمسكُ بالخلُق الحسن،
والعنايةُ بانعكاساتها الوجدانية والعملية المشرقة بالخير والعطاء، والحرصُ على ائتلافِ
الأمة وتقاربِها، وإثارةُ مشاعر الغيرة عند الموالين له.. الغيرةُ على الإمامة،
والغيرةُ على الانتماء إلى هذه المدرسة العظيمة، من خلال الحرص على بقاء صورة أهل
البيت (ع) في إشراقة الطُّهر التي زيّنهم الله بها في آية التطهير.


Comments
Post a Comment