خطبتا صلاة الجمعة 9 صفر 1448 - 24 يوليو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم

 



الخطبة الأولى: ضبط اللسان

عن رسول الله (ص): (مِن فقه الرجل) مِن رجاحة عقله وقوة شخصيته ودلالة رُشده (قلةُ كلامه فيما لا يَعنيه). المجتبى: (نعم العون الصمت في مواطن كثيرة وإن كنت فصيحاً).

هناك عدة مصاديق للأمور التي لا تعني الإنسان، من بينها:

1) قضية شخصية خاصة يتكلم فيها آخرون.. فتدخّلي كفضولي خلاف هذه الحكمة.

2) قضية ذات بُعد تخصّصي، ولست من أهل هذا الاختصاص، فيكون إبداء رأيي من دون دليل، لا دليل عقلي، ولا دليل نصّي، ولا تجربة، خلاف هذه الحكمة.

كما لو كانت حالة مرضية، ولست بطبيب، وأبدأ أقترح علاجات معينة. أو مشكلة اجتماعية، فأقدم نصائح تدمّر الحياة الزوجية.

تنطبق هذه الحكمة اليوم على منصات التواصل الاجتماعي؛ بعدم التعليق على كل ما يُبث، وتجنب الدخول في جدالات عقيمة، أو ما تترتب عليه تبعات شرعية أو قانونية.

من الآثار الإيجابية المترتبة على ذلك:

• قلة الكلام تحفظ الهيبة وتكسو صاحبها الوقار، على خلاف الشخص المهذار.

كثرة الكلام تزيد مِن احتمالية الخطأ، فيورط نفسه أو الآخرين.

• احترام خصوصيات الآخرين وعدم التطفل عليهم يبني جسوراً من الثقة والتقدير.

• حفظ النفس من الغيبة والكذب والبهتان والنميمة، فكثرة الكلام تعرّض الإنسان لذلك.

• تجنيب الفرد الدخول في جدالات توغر في القلوب.


الخطبة الثانية: تعيش وتجيب

عندما يجهل الإنسان كيف تعمل آلة ما، ويستعملها... قد تصاب بعُطل شديد، أو كامل.

هكذا الأمر عندما يجهل الإنسان صفات الطرف المقابل، ويتعامل معه... حيث يبرز احتمال إلحاق الضرر البليغ بالعلاقة نتيجة ذلك.

لذا، فإنه من المهم أن تعرف المرأة الصفات العامة المشتركة بين غالبية الرجال، ثم الصفات الخاصة بزوجها... والعكس صحيح.

هناك 4 صفات أساسية في شخصية الرجل السوي:

1) التنافس: الرجل يحب التحدي والتنافس وتحمّل المشاق، ويحب أن يدخل في منافسة غيره لتحقيق ذاته، فيعمل بقوة وبحرص ولربما يستغرق ذلك منه وقتاً طويلاً خلال يومه، ويساعده على ذلك بنيته العضلية.

2) الحماية: يحب الرجل أن يكون في وضع المحامي عن زوجته وأبنائه ووالدته وآخرين ممن يهمه أمرُهم. يحب أن يستعينوا به ليأخذ لهم حقهم، ولربما يقاتل من أجل ذلك.

3) الإنفاق: الرجل يسعد بالعطاء، ويشعر بالارتياح أن يكون سبباً في إعالة غيره. ولذا، فهو عندما يتزوج تتغير أجندته المالية من التفكير في نفقاته واحتياجات العيش الانفرادي إلى نفقات من يعول واحتياجات العيش الجماعي.

ولذا فهو أيضاً يفكر في تأمين مستقبل زوجته وأبنائه، في حياته وبعد مماته. وإذا فشل في ذلك، فإنه يشعر بالإحراج مع نفسه وأمامهم، وبجرح في كرامته كرجل. ولذا فإن من أكثر ما يدمر نفسية الرجل أن يجد نفسه بلا عمل، لا يستطيع أن يؤمّن احتياجات أسرته. وقد يدفعه ذلك إلى طرق غير قانونية، أو الانتحار.

4) الأولوية: الرجل يهمه أن يكون رقم (1) في بيته، فإذا شعر أنه قد فقد هذه الأولوية في أسرته أو عند زوجته على أقل تقدير، لربما بحث عمّن يجعله كذلك في حياته.

الرجل يحب أن يَشعر أنه مُحتاجٌ إليه، فإذا شعر بأن زوجته قد استغنت عنه، سيشعر بالإحباط واليأس، ولربما يدفعه ذلك لكي يبحث عمّن تُشعره بذلك. ولذا فالرجل يحب أن يسمع زوجته تقول له:

تعيش وتجيب – كثّر الله خيرك – أنت تتعب كثيراً من أجلنا – كيف كان حالنا لولاك

قد تكون دلالة بعض هذه الجُمل بديهية، فمسئولية الرجل الشرعية والقانونية والعرفية أن ينفق على أفراد أسرته، ولكن هذه الكلمات تمس قلبه في الصميم، ولها وقع عظيم عليه. ويحب أيضاً أن يسمع ما يدلّ على أنه وإن لم يحقق لهم طموحهم، ويلبي كل احتياجاتهم، إلا أنهم فخورون به ويقدّرون جهده وتعبه.

جاء رجل إلى رسول الله [ص] فقال: (إن لي زوجةً إذا دخلْتُ تلقّتني، وإذا خرجتُ شيّعتني، وإذا رأتني مهموماً قالت: ما يهمك؟ إن كنتَ تهتم لرزقك، فقد تكفّل به غيرُك) الرزق بيد رب العالمين (وإن كنت تهتم بأمر آخرتك فزادك الله هماً) فكلما جعل الإنسان للآخرة أهمية كلما ازداد تُقى، وكلما ازداد تقى صلح حاله على المستوى الشخصي وفي علاقته بأسرته والناس (فقال رسول الله [ص]: بشّرها بالجنة وقل لها: أنّ لله [عزوجل] عمّالاً، وهذه مِن عُمّاله، لها نصف أجر الشهيد). 

التعبير بقوله: (من عمّال الله) أي كأنها موظفة تعمل وفقاً لما يُمليه عليها رب العمل، وهو الله.

بالطبع، فإن من يحبّون الجدال في كل شيء سيعترضون بأننا نعرف رجالاً يتمنّون أن يتخلصوا من مسئولياتهم المالية تجاه الأسرة، وأن الرجال في المجتمع الفلاني عالة على النساء.

أقول لهم: أنا أتحدث عن الغالبية، وعن الرجل السوي، وأرجو أن لا تضيع الأفكار المهمة في زحمة النقاط والإشكالات الجدالية.

هذه الصفات قد تفسّرها بعض الزوجات على أنها من أنانية الرجل، ولكن المسألة ليست من هذا الباب، بل هي من قبيل أولوية المرأة في أن تتزين، رب العالمين يقول: (أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ ... 18) [الزخرف].. وأن يتحدث الزوج عن جمالها، ومقدار حبه لها... فهل هذا من أنانيتها؟ كلا، بل جزء من شخصيتها وهويتها الأنثوية.

الأنانية عند الرجل عندما لا ينفق على أسرته ويقدِّم نفاقته الكمالية على احتياجاتهم.

الأنانية عند الرجل عندما يسهر كل ليلة في الديوانية مع أصدقائه ويهمل حاجة زوجته النفسية ليكون إلى جانبها في الليل.

الأنانية عند الرجل عندما يقدّم مصلحتَه على مصلحة أفراد أسرته.

الأنانية عند الرجل عندما لا يفكّر إلا بما يحتاج إليه، ويتصوّر أنه هو الوحيد الذي يحتاج وعلى الآخرين أن يلبّوا له احتياجاتُه، وينسى أن زوجتَه -كامرأة- لها عناصرها الشخصية أيضاً التي ينبغي أن تُراعى، وعناصر شخصيتها الخاصة وحاجاتها التي تتطلّب إشباعاً.

وأبسط مثال على ذلك ما روي عن الصادق (ع) عن النبي (ص): (قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً).

الخلاصة:

من كل ما سبق نقول: مما يعين الزوجة في إنجاح العلاقة الزوجية أنّ تتفهّم العناصر الأساسية في شخصية زوجها والتي يشترك فيها مع سائر الرجال، مِن قبيل حبّ التنافس والتحدّي، والرغبة في أن يكون الحامي والراعي للآخرين، وأن يُنفق من كسبِ يده، وأن تكون له الأولوية في أجواء أسرته، فتُشبِع شعورَه بالرجولة والقِوامة بكلماتها المعبَِّرة عن ذلك، علاوة تفهّمها لسائر العناصر الشخصية الأخرى التي تخصّه كفرد، فكل ذلك ممّا يُعينها على حُسن إدارة هذه العلاقة، ويخفّف من احتمالات نشوب صور النزاعات والخلافات البينية، ويؤسس لعلاقة زوجية ناجحة، وترابط أسريّ أقوى، وينزع فتيل العديد من الأزمات التي تعصف -عادةً- في البيئة الأسرية. وما سبق لا يعني أن الزوجَ معفيٌّ من مسئولية مشابهة، فهو كذلك مطالب بتفهّم العناصر الأساسية في شخصية المرأة عموماً، وعناصرِ شخصيةِ زوجتِه، وحاجاتِها النفسيةِ والجسديةِ.

Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait