خطبتا صلاة الجمعة 24 محرم 1448 - 10 يوليو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم

 


 

الخطبة الأولى:

الآيات 30 -36 من سورة فصلت، تبيّن قيمة الإيمان، والثبات عليه، وتقديم التضحيات في طريقه، وأثر ذلك أخروياً، وانعكاس ذلك على سلوك المؤمن.

• إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ: تعبير مختلف عمّا اعتدنا عليه في القرآن حيث يقول: (إن الذين آمنوا) -على سبيل المثال- وهو يعكس حالة من التصريح والإعلان من جهة، والارتباط العملي بالله بوصفه الرب الذي يرعى شؤونَهم، وحده، لا كما يقول المشركون، بل كما قال إبراهيم (ع): (ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ، وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ، وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ، وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ) [الشعراء:78-81].

• ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ: فلم يغيروا ولم يبدّلوا ولم يتنازلوا مهما كانت الضغوطات والتحديات.

ويُفهَم من الرواية التالية أن هذه الاستقامة ليست فقط على مستوى أصل الإيمان فحسب.

ففي (نهج البلاغة) أنه (ع) قال بعد أن ذكر الآية: (... وقد قلتم: [ربُّنا اللّهُ]، فاستقيموا على كتابه، وعلى مِنهاج أمْرِه، وعلى الطّريقة الصّالحة من عبادته، ثمّ لا تمْرُقُوا منها، ولا تبتدعوا فيها، ولا تُخالِفوا عنها؛ فإنّ أهل المُروقِ مُنْقطعٌ بهم عند الله يوم القيامة).

تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ 30: ليس وحياً، بل نحو من التسديد والتثبيت الخفي الذي لا يُرى ولا يُسمع، ولكن يجد المؤمنُ أثرَه... أو أن هذا ما يشهده هؤلاء المؤمنون في الآخرة، ليزيلوا مخاوفَهم، ويبشرونهم بالجزاء الأوفى.

وليس هذا بغريب فقد كلّف الله الملائكة -من قبل- برعاية المؤمنين وتسديدهم في الحياة الدنيا، كما كلّفهم بالبشارة في الآخرة: (نحْنُ أوْلِياؤُكُمْ فِي الْحياةِ الدُّنْيا وفِي الْآخِرةِ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ 31) كل ما تطلبون وكلُّ ما يخطر في بالكم.

(نُزُلاً مِنْ غفُورٍ رحِيمٍ 32) فالله هو من أعدّ لكم كلّ هذا النّعيم، وأنزل عليكم هذه الرّحمة.

إنهم يستحقّون هذه الرعاية الخاصة، وهذا العطاء الإلهي العظيم، لأنهم قالوا أحسن القول وعملوا أحسن العمل: (وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 33).

فعلى المستوى الفكري، فإنّ هذا المؤمن كما يريد الله، وعلى مستوى الشعور والحب والبغض، هو كما يريد الله، وعلى مستوى العمل والسلوك، هو كما يريد الله.

وواحدة من انعكاسات هذا التسليم والانسجام العملي والسلوكي مع ما يريده الله يتمثّل في الموقف الذي يتخذه الإنسان عندما تقع النزاعات والخلافات البينية في المجتمع.

وسنتوقف عند هذه النقطة في الخطبة الثانية لنُكمل ما تتحدث عنه الآيات.


الخطبة الثانية:

عندما يختلف النّاس، قد تثور المشاعر، فيشتبكون، ويتنازعون، وتتعقّد المواقف، حتّى تتحوّل إلى خطرٍ كبيرٍ على العلاقات الإنسانيّة في المجتمع، ويتّجه الموقف إلى الصِّدام الّذي يهدِّد حياة الجميع، ويقطع التّواصل بين أفراده.

وهناك أسلوب حسن للتعامل مع هذا المشهد، وأسلوب آخر سيء، وهما لا يستويان: (وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُ).

فأسلوب السّيِّئة يعمل على تحريك الحقد والعداوة والبغضاء، ويدفع الموقف إلى القطيعة؛ ويقوم على الكلمة العنيفة، والإساءة، والخذلان.

وأما أسلوب الحسنة، فيعتمد على الكلمة الطيِّبة، والالتفاف على كلِّ المشاعر السّلبيّة بالمشاعر الإيجابيّة، وتقديم المعونة.

فأيهما هو الخيار الإلهي المتناسب مع تلك الحالة الإيمانية، والتسديد الملائكي؟

(ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ) هذا هو الخيار الإلهي الذي يدع إليه الإيمان وتسدّده الملائكة.

وما النتيجة المترتبة على أرض الواقع؟ (فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُ عَدَٰوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ٣٤).

وكلمة (فَإِذَا) تعبّر عن الصدمة التي يحققها هذا الموقف الملائكي النبيل الذي لا يصدر عن كل أحد، فيُحدث هذا التغيير الكبير، فهو ليس خياراً سهلاً ولا بسيطاً؟ لماذا؟

لأنه يحتاج إلى كثير من الجهد النّفسيِّ والفكريِّ والعمليّ، فنوازع النفس والرغبة في التشفّي والأخذ بالثأر، ووساوس شياطين الجن والإنس تدفع نحو الخيار الآخر: (وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ 35، وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 36).

ولماذا يعتبر هذا هو الخيار الإلهي والتصرف الأحسن؟

لأن الله يريد لنا أن نلغي المشكلات في ما بيننا قدر الإمكان، وأن تتحوّل المجتمعات البشرية إلى مجتمعات سلم وأمان وتكامل: (وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْ) [الحجرات:13]

فمن يختار الدفع بالأحسن فهو يخدم المشروع الإلهي، ومن يعمل على خلاف ذلك فهو يخدم المشروع الشيطاني: (إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ) [المائدة:91].

وقد قدَّم أئمة أهل البيت (ع) أروع الأمثلة والمصاديق العملية في هذا الطريق، ومع أشد الناس إساءةً وعداوةً لهم، حتى أدهشوا القريب والبعيد، وتخلّدت مواقفُهم في التاريخ. ومِن ذلك ما كان من الإمام زين العابدين (ع) في قبيل واقعة الحرة حيث ثار أهلُ المدينةِ على الأمويين، ولم يجد مروان بن الحكم -مع كل تاريخه المعادي والعدواني تجاه أهل بيت النبوة- سوى الإمام لكي يأمن على نسائه وأطفاله من لحوق الأذى بهم، إذ روى الطبري في تاريخه: (لمّا أخرج أهل الْمَدِينَة عُثْمَان بن مُحَمَّد مِنَ الْمَدِينَةِ، كلّم مَرْوَانُ ابن الحكم ابنَ عُمَرَ أن يُغيِّبَ أهلَه عنده، فأبى ابنُ عمر أن يفعل، وكلَّم عَلِيَّ بن الْحُسَيْن، وَقَالَ: يَا أَبَا الْحَسَن، إنَّ لي رحماً، وحُرَمي تكونُ معَ حُرَمِك، فَقَالَ: افعل. فبعث بحُرَمِه إِلَى عَلِيِّ بن الْحُسَيْن، فخرج بحُرَمِه وحُرَمِ مَرْوَان حَتَّى وضعَهم بينبُع). لقد كان هذا الموقف من الإمام خير مصداق عملي لقوله تعالى: (ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ) وهو ما أحدث انقلاباً في مواقف مروان لاحقاً تجاه شخص الإمام كما بيّن ذلك الطبري وآخرون بقولهم: (وَكَانَ مَرْوَان شاكراً لعلي بن الْحُسَيْن) وأنه وصّى ابنَه عبدَالملك بذلك، ليمثّل المعادلة الإلهية الراسخة: (فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُ عَدَٰوَةٌ كأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ). إنه الدرس البليغ الذي نتعلمه من الثقلين، كتابِ الله، والعترةِ المباركةِ الطاهرة.

Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait