خطبتا صلاة الجمعة 2 صفر 1448 - 17 يوليو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم

 



الخطبة الأولى:

رسالة في التعايش 

• من دلالات الحكمة 81 من نهج البلاغة: (قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ):

• تعزيز التكامل والترابط الاجتماعي باحترام التنوع المهني.

• تدعو هذه الحكمة لاحترام كل المهن والعاملين فيها (العامل، والخادم، والسباك، والكنّاس) طالما أن صاحبها يقوم بما هو مطلوب من عنده، ويسترزق من وراء ذلك ليعتاش بكرامة.

• تصوّر مجتمعاً معاصراً بلا سباكين، أو بلا عاملي نظافة، كيف سيكون حالنا؟

• هناك تكامل أدوار بين أفراد المجتمع، مواطنين أو وافدين، ولكلٍّ منهم أهمّيته في سدّ ثغرة يتطلبها البناء الاجتماعي: (أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗا) [الزخرف:32].

• فهم هذه الحقيقة يقلّل من احتمالات الكِبر والاستهزاء والنزاعات والضغائن الاجتماعية.


الخطبة الثانية:

الأحلام والتأويل.. أخطاء ومحاذير

• الكلام حول الأحلام والرؤى متشعب، ووغايتي هنا هي التنبيه على مجموعة من الأمور التي قد تقودنا إلى تكوين تصوّر أوضح للموقف تجاه الرؤى والأحلام.

1) من المعلوم أنّ ما يراه الإنسان في منامه ليس على نسق واحد، وكثير منه أضغاث.

2) المنامات الصادقة ليست على نسق واحد:

أ/ رأى الملك المشرك رؤيا صادقة، ولكنها كانت غامضة وغريبة المضمون، وتحتاج إلى تأويل: بقر يأكل بقراً، وسنابل يابسة جافة وأخرى خضراء، ولذا: (قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖ..) [يوسف].. ولكن تبين أنها صادقة، فتحققت.

• ولكن هل كان بإمكان كل أحد أن يؤوّلها، وإذا أوّلها، هل سيؤوّلها تأويلاً صحيحاً؟ ولذا هم اعترفوا بقولهم: (وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ 44).

ب/ ورأى يوسف الصديق رؤيا صادقة، ولكنها كانت غامضة وغريبة المضمون، وتحتاج إلى تأويل: أحد عشر كوكباً والشمس والقمر يسجدون له، وتحققت.

ج/ ورأى نبينا (ص) رؤيا صادقة واضحة، لا تحتاج إلى تأويل، وتحققت: (لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحٗا قَرِيبًا 27) [الفتح].

• ما مصدر هذه المنامات الصادقة؟ نوع من الإلهام الغيبي؟ كشف روحي؟ حاسة إنسانية؟

• لا نعلم مصدرها على نحو اليقين، وقد تكون متنوعة المصادر والكيفية.

• فالملك المشرك رأى رؤيا صادقة، كما أن يوسف -وهو طفل- رأى رؤيا صادقة، وكذلك نبينا (ص) رأى رؤيا صادقة... هل تتماثل في المصدر؟ الله أعلم.

3) بالنسبة إلى ذلك القسم الرمزي الغامض الذي يحتاج إلى تأويل، لا توجد هناك معايير واضحة وقواعد أكيدة لتأويلها، وهي مجرّد استحسانات وتخمينات.

• قد يقال: لدينا نصوص، كالآيات السابقة أو الأحاديث فلماذا لا نعتمد عليها؟

• قال المجلسي في البحار قبل الإتيان بأمثلة من تأويل الأحلام: (نورد فيها بعض ما ذكره أرباب التعبير والتأويل، وإن لم يكن لأكثرها مأخذٌ يصلح للتعويل).

• ولما انتهى من ذكر الأمثلة علّق قائلاً: (ولا يعتمد على أكثرها؛ لابتنائها على مناسبات خفيّة، وأوهام رديّة، والأخبار التي رووها أكثرها غير ثابتة. وقد جرت التجربة في كثير منها على خلاف ما ذكروه... ثم إنها تختلف كثيراً باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان).

أ) غالبيتها تأويلات لحالات خاصة فكيف نقيس عليها، لاحتمال وجود تأثير للخصوصيّات.

ب) كثير من تلك الأحاديث ضعيفة، لا يصح التعويل عليها.

ج) تبين -عملياً- عدم صحة كثير من التأويلات.

4) في بعض الأحاديث ما يدلّ على النهي عن التأويل المتشائم. 

• في الكافي بالإسناد عن الحسن بن الجهم قال: (سمعت أبا الحسن [ع] يقول: الرؤيا على ما تُعبَّر) ثم قال الإمام: (إنّ امرأةً رأت على عهد رسول الله [ص] أنّ جِذعَ بيتِها انكسر) يبدو أنها كانت قلقة من موت زوجها في سفره فينعكس ذلك في ما تراه في منامها بما يؤوَّل بأن ما تخشاه سيتحقق وهو انكسار عمود البيت، ولكن حيث أن هذا من الغيب، ولا يُعلَم أنها رؤيا صادقة، ولخطورة الأثر النفسي المترتب على هذه المرأة المسكينة في ما لو قيل لها أن زوجك سيموت، لاحظ كيف تصرف النبي: (فأتت رسولَ الله، فقصّت عليه الرؤيا، فقال لها النبي: يَقدِمُ زوجُك ويأتي وهو صالح، وقد كان زوجها غائباً، فقدِم كما قال النبي) وتكرر معها الأمر في سفرة أخرى، وقصت على النبي وقال لها نفس الكلام، ورجع الزوج، وتكرر الأمر ثالثةً (فلقيت رجلاً أعسر) متشائم (فقصّت عليه الرؤيا، فقال لها الرجل السوء: يموتُ زوجُك، فبلغ النبي فقال: ألا كان عبّر لها خيراً؟!).

5) في الأحاديث ما يدل على عدم صحة الاعتماد على الرؤى في ترتيب الأحكام الشرعية.

• في الكافي بالسند إلى عمر بن أذينة، عن الصادق (ع) في قصّة أنّ أصل الأذان رؤيا رآها أبيّ بن كعب، قال: (كذِبوا، فإنّ دينَ اللَّه أعزّ مِن أن يُرى في النوم...).

• ولهذا لم يعتمد جمهور فقهاء المسلمين على المنامات في الوصول إلى الأحكام الشرعيّة، حتى لو كان المرئيّ هو أحد الأنبياء أو الأئمّة.

6) لا يجوز شرعاً ترتيب الأثر العملي على الآخرين من خلال تأويل المنام، كأن يرى حُلُماً، ويتم تأويله ذلك بأن فلاناً هو السارق، أو فلان يكيد لك، بأن فلانة قد ارتكبت فاحشة، فيبني على ذلك، لأن هذا من سوء الظنّ أو البهتان والقذف، أو من وساوس النفس أو الشيطان، وقد قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ) [المائدة:91]

• مما سبق نقول لمن يسارعون في ترتيب الأثر على مناماتهم، على المستوى الشخصي، أو في علاقاتِهم بالآخرين، أو في الحُكْمِ على الآخرين بالسوء، أو في استخلاصِ حُكْمٍ أو مَوقفٍ شرعي، بالتأويلِ الشخصي، أو بمراجعة أهل التأويلِ وتعبير المنامات: ليس أحدُكم كيوسفَ الصديقِ حين رأى الشمسَ والقمرَ والكواكبَ يسجدون له، ولا كرسول اللهِ حين رأى دخول المسلمين المسجد الحرامَ آمنين، وليس يوسفُ الصدّيقُ هو مَن يُؤوّلَ منامَك، وقد يكون من الأحلام الباطلة. وإنْ رأى أحدُنا ما يَسوؤه، فليتذكر قولَه تعالى: (إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ)، وما أكثرَ أضغاثِ الأحلامِ في ما نراه، ولنتَّقِ الله في أنفسِنا وفي عبادِه.


Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait