خطبتا صلاة الجمعة 16 صفر 1448 - 31 يوليو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم




الخطبة الأولى: الفراغ الصيفي: تحصين روحي وسلامة نفسية

في الدعاء 11 من الصحيفة السجادية بعنوان (وكان من دعائه [ع] بِخَواتِمِ الخَيْرِ): (فَإنْ قَدَّرْتَ لَنَا فَرَاغاً مِنْ شُغُل فَاجْعَلْهُ فَرَاغَ سَلاَمَة لا تُدْرِكُنَا فِيهِ تَبِعَةٌ وَلاَ تَلْحَقُنَا فِيهِ سَأمَةٌ).

في أيام الإجازة الصيفية، والجو شديد الحرارة، وقلة السفر، يكون احتمال الشعور بالفراغ اتمالاً كبيراً، والإمام زين العابدين (عليه السلام) ينبه إلى أهمية أن نخرج من هذا الوضع بسلامة من جهتين:

1) احذر أن يكون فراغُك سبباً لأن ترتكب ما هو محرَّم.. خاصة مع هذا الهاتف المحمول والإنترنت، لذا قال: (لا تُدْرِكُنَا فِيهِ تَبِعَةٌ)... ولذا حاول أن تملأ هذا الفراغ بما هو نافع لدنياك وآخرتك، ومجالات ذلك كثيرة حتى لو لم تخرج من البيت.

2) احذر من الملل والفتور، فهذا مدخل لأمراض نفسية، وأفكار سقيمة، وضعف جسدي. ولذا قال: (وَلاَ تَلْحَقُنَا فِيهِ سَأمَةٌ).

والملل يدفع إلى كثرة النوم، ويغلّب سوء الخلُق في سلوك الفرد، وإلى النظر إلى الحياة نظرة سوداوية، وقد يدفع البعض إلى تعاطي المخدرات، أو البحث عن علاقات غير مشروعة، وغير ذلك.

وعلى أولياء الأمور الالتفات إلى ما سبق، والمبادرة لوضع حلول وقائية.

ولذا ختم الإمام (ع) الفقرة بقوله: (حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنَّا كُتَّابُ السَّيِّئَاتِ بِصَحِيفَة خَالِيَة مِنْ ذِكْرِ سَيِّئاتِنَا وَيَتَوَلّى كُتَّابُ الْحَسَنَاتِ عَنَّا مَسْرُورِينَ بِمَا كَتَبُوا مِنْ حَسَنَاتِنَا).


الخطبة الثانية: تفهّم الاحتياجات النفسية للزوجة

عن النبي (ص): (قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً). .

كانت لنا وقفة -في الأسبوع الماضي- مع بعض الصفات التي يختص بها الرجل، وعلى الزوجة تفهمها من أجل النجاح في الحياة الأسرية. وفي تلك الخطبة ختمت كلامي بالرواية السابقة، وقلت بأنّ الزوجَ مطالبٌ بتفهّمِ العناصرِ الأساسيةِ في شخصيةِ المرأةِ عموماً، وعناصرِ شخصيةِ زوجتِه، وحاجاتِها النفسيةِ والجسديةِ، مع التأكيد على أنه كما كان حديثي في الأسبوع الماضي عن الرجل السوي، أتحدث هنا عن المرأة السوية، وليس عن المرأة الجشعة، أو النرجسية، أو التي ترعرعت في منبت سوء.

أحد المختصين في مجال العلاقات الأسرية يقول: (عملت استبياناً لأتعرّف فيه على أهم أولويّتين تريدها المرأة من الرجل، وكانت النتيجة هي: الاهتمام والشعور بالأمان). وفي دراسة لوزارة العدل – إدارة الاستشارات الأسرية – بعنوان أسباب الطلاق بين الكويتيين حديثي عهد بالزواج، جاء من بين الأسباب المطروحة: (عدم إبداء الطرف الآخر كلمات الحب والإعجاب)، ووفق هذه الدراسة، فقد بلغت النسبة المئوية للموافقة لدى الذكور بأنه من أسباب الطلاق 24,4 % بينما ارتفعت لدى الإناث لتصل إلى 43%. أي الضعف تقريباً.

هذا يعني أن واحدة من العناصر الأساسية في شخصية المرأة هي حبّها لسماع كلمات خاصة تدلّ على اهتمام الرجل بها... فتعالوا نتعرّف عليها.

1. أن يمدح الزوجُ ذكاءها وطريقةَ تفكيرها. كأن يبيّن لها أن الفكرة التي قدّمتها له حول أمرٍ ما ساعده كثيراً في بلوغ غايته... هذا المديح يوصل إليها رسالة أنها مهمة في حياته، وترفع من مستوى ثقتها به.

2. أن يمدح الزوجُ جمالَها.. شكلَها ومظهرَها. رب العالمين يقول: (أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ ... 18) [الزخرف]. هذه رسالة إلهية للرجل... المرأة تولي شكلها ومظهرها وزينتها أولوية عظمى... ومن مفاتيح قلبها أن تمتدح هذا الجانب فيها. وإذا قالت: (أعلم أني لست جميلة) لا تقل لها المهم جمال الروح، أو جمال الأخلاق، أو طبخك لذيذ... فهذا يجرحها، بل يمكنك أن تمتدح عطرها أو لمساتها في التزين أو أناقتها.

3. التعبير عن أهمية العلاقة التي تجمع بينكما. أنك سعيد بهذه العلاقة، وأنك تشكر الله الذي جمعك بها، وأنها أضفت معنى خاصاً على حياتك، وأنك تقدّر لها مساعدتها ودعمها وسهرها على الأطفال، وأمثال ذلك.

4. إبداء الاهتمام بالموضوع الذي تتحدث معك عنه. بالطبع، إذا كان الكلام محرماً، كالبهتان أو النميمة أو الغيبة وأمثالها، فهذا أمر آخر، ولكنني أتحدث عما ليس كذلك. لربما الأمر في كثير من الأحيان أنها تريد مشاركة عاطفية، نوعاً من التأييد والشعور بأنك تساندها، وأنك تتفهم رأيها، وأنك تهتم لأمرها، وليس أن تقدم لها حلولاً. هذا المقدار من التفاعل الإيجابي يهمّ المرأة، ويقدِّم لها إشارات إيجابية ويقوّي علاقتها بك.

عدة حالات لخلافات زوجية مرّت عليّ كانت مشكلتها الأساس الجفاف في العلاقة... الطرفان لا يعبّرن عن شيء من المشاعر بالكلمات... وكل طرف ينتظر الآخر... هي تتوقع منه أن يبادر، وهي ينتظر منها ذلك... عزة نفسها تمنعها، وعزة نفسه تضغط عليه... فيختاران الصمت، وتنفجر الخلافات بينهما. قبل مدة، راجعني زوجان، وصل الأمر بينهما إلى الانفصال مؤقتاً، وبعد الاستماع إلى الطرفين تبيّن أن مشكلتهما أنها لا تتكلم إلا عن مشاكل البيت واحتياجاته، وهو نادراً ما يتكلم وببرود عاطفي. قلت لهما أن مشكلتهما بكل بساطة هي جفاف العلاقة فيما بينهما. ذكّرتهما بأيام الخطوبة وبداية تعارفهما، كيف كان يعبّر عما في قلبه تجاهها، وكيف كان يحب الإطالة في الحديث معها... وهي كذلك... فالمطلوب أن ترجعا إلى بعض ذلك. وفعلاً تقبّلا الأمر، وكأنّهما كانا غافلين عن ذلك، وخرجا مبتسمين شاكرين، ورجعت الحياة بينهما.

لماذا يتكاسل أكثر الأزواج عن التعبير بمثل ما سبق؟ تقول (آن موير) في كتابها (جنس الدماغ): (الرجال مكيفون على عدم التعبير عن مشاعرهم، ذلك لأن قدرتهم على الإحساس بالمشاعر مفصولة في أدمغتهم بتكوينها المادي عن قدرتهم على الإفصاح اللفظي بدرجات أكبر من النساء). فالرجل يتعامل مع الرجال من حوله بهذه الطريقة، التعبير عن مشاعر الصداقة والتقدير أمر نادر... ويغفل عن أن زوجته ليست أحد أصدقائه الرجال ليعاملها بنفس الطريقة. وهذا يعني أن الرجل بحاجة إلى أن يجاهد ويصارع هذا الفارق الخَلْقي، كي ينجح في دوام التعبير عن الحب وعن مشاعره لزوجته، ولربما يحتاج إلى أن ينبّه نفسه ويدرّبها ويراقبها كي تتحول المسألة عنده إلى مسألة تلقائية.

الخلاصة: لقد جعل الله سبحانه علاقة المودة والرحمة قائمة في الحياة الزوجية تكويناً، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) [الروم:21]، إلا أنّ الاختلاف بينهما في طبيعة تكوين الدماغ قد يجعل الرجل غافلاً عن التعبير عن كلمات الحب والتقدير والثناء والإعجاب بزوجته، فتخال أنه لم يعد يُحبّها. ولربما لهذا السبب وجدنا النبي (ص) ينبّه إلى أنّ (قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ إِنِّي أُحِبُّكِ لَا يَذْهَبُ مِنْ قَلْبِهَا أَبَداً)، فلو كانت المسألة تلقائية لانتفت الحاجة للتنبيه لمثله. ومن هنا، يتوجّب على الزوج أن يجاهد هذا الفارق الخَلْقي، كي ينجح في دوام التعبير عن الحب وعن مشاعره لزوجته، وعلى المرأة أن تتفهم وجود هذا الفارق فتعينه من حينٍ إلى آخر لتعزيز المودة والرحمة، فالمشكلة في دماغه لا في قلبه! وليتذكّر كلٌّ منهما أن للكلمة الجميلة أثرَ الفرشاةِ في يد فنانٍ مُبدع.


Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait