خطبتا صلاة الجمعة 17 محرم 1448 - 3 يوليو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم

 


الخطبة الأولى: الاستثمار في الذات

في قسم الحكم من نهج البلاغة برقم 81: (قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ) قال الشريف الرضي: (وهي الكلمة التي لا تصاب لها قيمة ولا توزن بها حكمة ولا تقرن إليها كلمة).

ماذا يمكن أن نستخلص من هذه الحكمة الموصوفة بهذا الوصف؟

1) الإنسان ليس بمن هو، وابن من، ومن اي بلد، بل بالإنجاز والعطاء وتطوير الذات.

لا تتكل على اسم عائلتك او مكانة والدك او غير ذلك. اسع ان تحقق لنفسك سمعة طيبة ومكانة مرموقة بجهدك.

2) اسع لاكتشاف مواهبك وقدراتك. لا تكتفي بما أنت عليه، فلربما عندك موهبة كامنة ستفتح لك آفاقاً جديدة تفيد وتستفيد منها.

3) لتحسين مهاراتك وقدراتك ولا تتوقف عند حد. اعمل على تطوير نفسك على الدوام، دينياً ودنيوياً... دينياً بتطوير صلاتك من حيث الكيف، بالخشوع مثلاً... من حيث الكم، بأداء صلاة الليل مثلاً. أخلاقك... مهنتك... مهاراتك... وهكذا.

4) لا معنى للتقاعد ما دمت حياً، ولا أمد لهذا التطوير والتنمية الذاتية، ولكن لكل مرحلة عمرية ظروفها ومتطلباتها.

5) من معايير تقييمك للآخرين أن تنظر انجازاتهم الذاتية، لا من خلال مكتسباتهم الموروثة، أو مظهرهم الخارجي.


الخطبة الثانية: من ذي القرنين إلى الذكاء الاصطناعي: أبعاد الأزمة الأخلاقية في العلم المعاصر

في أجواء قصة ذي القرنين في سورة الكهف، يمكن أن نجد بعض ملامح علاقة الأخلاق بالعلم، كيف ذلك؟

(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَباً ٨٤).. العلامة: (كالعقل والعلم والدين وقوة الجسم وكثرة المال والجند وسعة الملك وحسن التدبير وغير ذلك).

1. السعة في الإمكانات العلمية التي توفرت لديه لم يستخدمها للتجبر، بل لتحقيق العدل، ومساعدة المجتمعات الضعيفة، ورد العدوان، ولذا ميّز بين (مَن ظَلَمَ) حيث سيوقع عليه العقاب، وبين (مَن آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا).

2. لم يستغل حاجة ذلك المجتمع الضعيف لما لديه من علم وقدرات توظيفية، بحيث يستفيد منهم مادياً، بل ورفض عرضَهم: (قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا [94] قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ) وطلب فقط مساعدتهم في الإنجاز (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا [95]).

3. لم يعش غرور العلم والإمكانات، بل بيّن لهم أن هذا من فضل الله تعالى ونعمه عليه: (قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ).

4. كان مخلصاً لله (سبحانه) في إنجاز مشروعه الذي اعتمد على هندسة وعلم متقدم بالنسبة لمقاييس ذلك الزمان.

ولذا عندما أنجز المشروع بيّن لهم أن هذ المشروع رحمة إلهية، لأنه يريد لهم أن يتعلّقوا بالله وليس به شخصياً، وأن يشكروا الله لا أن يشكروه هو: (قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي... 98).

5. كان صادقاً معهم إذ بيّن أن آثار المشروع لن تكون أبدية: (فَإِذَا جَاء وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاء وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا 98) ولذا فعليهم أن لا يتكلوا كل الاتكال على هذا المشروع، لأنه سيكون عديم الأثر في يوم ما، وعليهم أن يهيؤوا الأسباب لحماية أنفسهم، فلا شيء دائم.

مما سبق، نستنتج أنّ مَن يملك علماً وتقنية ووسائل (الأسباب)، عليه أن يخضعها لـ أخلاقيات واضحة تتمثل في توظيفها لخير البشرية، ودفع الظلم، وحماية الضعفاء، وأن يكون مخلصاً لله، متواضعاً له، وأن يجعل العلم من أسباب تحقيق الرحمة بالعباد، وأن يكون صادقاً في ما يقدّم من نتائج وآثار إيجابية وسلبية لمعطيات هذا العلم.

ولكن من المؤسف أن لا يكون ذلك متحققاً في عالم مادي جشع يبحث عن الربح والهيمنة أكثر من أي أمر آخر. والشواهد على هذا كثيرة.

خذ مثلاً ما يجري في عالم صناعة الدواء.. لا ننكر أن الأبحاث مكلفة، ولكن الأرباح التي تتحقق من وراء الإنتاج والبيع بأسعار مرتفعة تفوق تلك التكاليف بمراتب.

ويتحدث بعض أهل الاختصاص عن عدم تفاعل هذه الشركات المنتجة بإيجابية مع اكتشافات علاجية معينة تقضي على المرض أو أسبابه بشكل جذري، لأن هذا سيؤثّر على الأرباح المتحصلة من صناعة الدواء التقليدي الذي يضطر المريض لأخذه بشكل مستمر.

مثال آخر يخصّ عالم الذكاء الاصطناعي. نستطيع أن نقول أن كل الضوابط الأخلاقية التي استخلصناها من قصة ذي القرنين هي شبه مفقودة هنا، والعكس تماماً هو الموجود.

تحدثنا عن العدل.. عن الإخلاص.. عن المصداقية.. خدمة الضعفاء.. وغير ذلك، في عالم الذكاء الاصطناعي الأمر مخالف لذلك تماماً.

بياناتك الشخصية، وماذا تحب، وماذا تفعل، وأين تذهب ، والكثير من خصوصياتك تُقدَّم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي لكي يتم استغلالك من خلال الأسواق الاستهلاكية مثلاً.

هذا مجرد مثال بسيط جداً، وإلا فهناك ما هو أدهى، وأمرّ، وأخطر بكثير.

وأعجبني ما جاء في تصريح فضيلة إمام الأزهر قبل أيام خلال استقباله (نائب الأمين العام للأمم المتحدة) بمناسبة اختيار الأزهر لإطلاق مبادرة الأمم المتحدة للذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة حيث قال: (أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف حقيقية بشأن تأثيره على القيم الإنسانية والدينية) وأشار إلى محاذير عدة، منها:

1. غياب منظومة أخلاقية حاكمة، قد يقود العالم إلى مستقبل تتراجع فيه كرامة الإنسان، وتتآكل فيه المبادئ التي جاءت بها الرسالات السماوية.

2. من سيضبط هذا التطور؟ وعلى أي منظومة من القيم سيقوم؟

3. التكنولوجيا إذا أصبحت في يد قلة محدودة تتحكم في مصير الشعوب، فإنها قد تتحول إلى أداة للسيطرة بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة الإنسان.

وخلاصة القول: إنّ العلاقة بين العلم والأخلاق تقوم على أبعاد، من بينها البعد المنهجي، بلحاظ أن الأخلاق تضبط البحث العلمي بالتزام الصدق في النتائج، ومنع استغلال الضعفاء في البحث.. ومنها البُعد التطبيقي، حيث أن الأخلاق تحدد كيفية توظيف الاكتشافات والاختراعات العلمية لخير البشرية دون تمييز.. ثم البُعد الغائي، إذ أنّ الأخلاق تمنح العلم هدفاً إنسانياً، ليكون في خدمة البشرية لا لما يضرّ بها.. لأن الأخلاق ليست عائقاً أمام العلم والبحث العلمي، بل هي بوصلة تضمن استمراريته في خدمة الإنسانية، وبدونها قد يتحول العلم إلى أداة هدم وشرور.

Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait