خطبتا صلاة الجمعة 3 محرم 1448 - 19 يونيو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم

 


الخطبة الأولى:

جوهر الأدب: التواضع والاحترام

سئل الحسين (ع) عن الأدب، فقال: (هو أن تخرُج مِن بيتك، فلا تَلقي أحداً إلا رأيتَ له الفضلَ عليك).

فلا تلقى أحداً: كبيراً أو صغيراً، وجيهاً أو بسيطاً، ثرياً أو فقيراً، عالماً أو جاهلاً، موافقاً أو مخالفاً، تحتاج إليه أم لا.

عندما تكون هذه نظرتي للناس، سيفرض هذا عليّ قيوداً في التعامل معهم.

حتى أقرّب لك الصورة أكثر نأخذ هذا المثال: كيف يكون تعامل الطالب مع معلّمه عندما يشعر أن له فضلاً عليه؟ لا شك الاحترام، والكلمة الطيبة، والأدب الرفيع في التعامل.

عندما تشعر بأنّ طبيباً ما له فضل عليك لأنّه خلّصك من ألمٍ شديد ومرضٍ مستعصي كنت تعاني منه... كيف تكون مشاعرك تجاهه؟ وكيف يكون تعاملك معه؟

إذا وجدتَ شخصاً قد ضحّى من أجل وطنه، أو دفاعاً عن برئ، كيف تنظر إليه؟ أليس نظرة إكبار وإجلال؟ وكيف تعامله؟ أليس بالتقدير والاحترام؟

إذا حضرت في مجلس وفيه عالمٌ، كيف تتعامل معه؟ أليس بقمّة الأدب والتقدير؟

كل هذا انعكاس لمستوى من التواضع والأخلاق والأدب عندك.

الإمام (ع) يقول في جوابه، عندما تنظر إلى الناس من حولك وكأن كلاً منهم له فضل عليك.. إما شخصياً كالمعلم والطبيب.. وإما على مستوى المجتمع، كذلك المضحي.. وإما لما يمثّله كشخص، كالعالم... فحينذاك ستتعامل معهم على أساس التواضع معهم.

هذا التواضع سيقودك للتعامل معهم بأدب رفيع، وتعامل راقي... وأما احتقار الناس والتكبر عليهم فسيقود الإنسان إلى التوتر في العلاقات، ولربما التصادم.


الخطبة الثانية:

النفس الأبية: المحك الأخلاقي في كربلاء

عن النبي الأكرم (ص): (إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق).

للأخلاق في شخصية وحركة الإنسان المسلم في الحياة الأهمية الكبيرة والحيوية، سواء أكان في مواطن الأمن والدعة والرخاء، أم كان في أوقات التحدي والمواجهة والصراع.

كثيرون هم اللطفاء المأدَّبون وفي قمّة التعامل الأخلاقي وملتزِم بالقيم الأخلاقية عند الراحة والدّعة، إلا أنّ أحوالهم تتبدّل عندما يكونون تحت الضغط وفي الشدّة.

وقد تحدثت قبل أسبوعين عن أثر الصلاة الحقيقية في البناء المعنوي والأخلاقي والسلوكي للإنسان المؤمن، وعلى عكس سائر الناس: (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ، وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ، إِلاَّ الْمُصَلِّينَ) [المعارج].

هذه الصلاة تجعل الإنسان لا يفقد قيمه ومبادئه الأخلاقية في الشدائد.

الإمام الحسين (ع) قدّم - في أجواء كربلاء- النموذج العملي والتجلّي المثل للشخصية المؤمنة التي لا تتبدّل عندما تكون تحت الضغط الهائل.

فكل ما حملته تلك الأجواء من أخبار سيئة محبِطة تمثلت في وصول نبأ استشهاد مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبدالله بن يقطر.

وبكل ما حملته من مواقف الخذلان المتمثلة في تبدل موقف الكوفيين، وفي الانسحابات الكبيرة من قبل النفعيين الذين سايروا الإمام وهم يتصورون أنهم سائرون لقطف ثمار انتصارٍ سهلٍ في بلد سلَّم قيادَه طواعية للإمام(ع).

وبكل تعقيدات المعركة التي تمثلت في المواجهة غير المتكافأة عدداً بين طرفي المعركة..

وفي الحصار الشديد المفروض على معسكر الحسين (ع) بما فيه من نساء وأطفال.. فقد يسترخص الرجل الشديد القوي ضغط الحصار، بل ويستقوي به، إلا أن بكاء الأطفال، وخوف النساء، والحرمان من الماء، والإحاطة بالأوباش، لاشك وأن له تأثيراً كبيراً على أشدّ الرجال قوّة.

إلا أنّ كل هذه الظروف لم تسلخ الإمام الحسين(ع) عن أخلاقه الرفيعة، لأنها جزءٌ لا يتجزأ من شخصيته العظيمة.

فقد تمثلت أخلاقه مع نفسه، التي كان حريصاً عليها، لأنها أمانة الله عنده، من خلال حرصه على أن لا يعرِّضها للذل والهوان، وأن يؤكد سموَّ نفسه وعظمتَها، حيث رفض أن يبيعها إلا بالثمن الأغلى الذي تستحقه وهو الجنة.

وهو القائل تلك المقولة الخالدة: (إلا أن الدّعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السّلة والذّلة، وهيهات منا الذّلة يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون).

كما وتجلت أخلاقه الرفيعة في علاقته مع أصحابه، وقد خاطبهم في ليلة العاشر في الظرف العصيب الذي يبحث فيه القائد عن الأنصار: (إن هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملاً وليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي فان القوم لا يريدون غيري). لئلا يحمّلهم مسؤوليةً استحياءً منه أو خوفاً.

وتجلت أخلاقه كأروع ما يكون في علاقته مع أعدائه حين التقى بجيش الحر، فأمر أصحابه بأن يسقوهم الماء ويرشفوا خيولَهم، وكلاهما يقطعان الطريق في مفاوز قفار سحيقة، لا يفرِّط فيها أحدٌ بقطرة ماء، في لمحة ملائكية يندر أن يكون لها نظير في تاريخ البشرية.

ومن هنا نقول، أنّ عاشوراء ليست وقفة لمطالعة صفحة من صفحات التاريخ فحسب، ولا هي محطّة لإثارة الأحزان، وإن كانت الأحزان ستفرض نفسَها حتماً، بل هي مدرسة تتعلّم فيها الأجيالُ، وأنموذجٌ خالدٌ ترتقي به النفوس. ومِن دروس عاشوراء أنّ القيمَ الأخلاقيةَ ركنٌ أصيلٌ في هويّةِ الإنسانِ المؤمن، في الرخاءِ والشدّة، وأنّ مَن ينتمي لمدرسة لسيد الشهداء لابد وأنْ يؤصّل الأخلاقَ في شخصيّته، وفي حركته في الحياة، وإنّ مِن أعظم الوفاء بالإمام الحسين (ع) وبنهضته المباركة أنْ نحيا أخلاقَه في حياتنا.

السلام عليك يا مولاي يا عبرة كلِّ مؤمن.. السلام عليك يا من قضيتَ عطشاناً وأنت في جوار الفرات.. السلام عليك يا من أبيت الذل وأعززت الإيمان وتبّرت أوثانَ الطغيان.. السلام عليك وعلى المستشهدين بين يديك ورحمة الله وبركاته.




Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait