خطبتا صلاة الجمعة 26 ذوالحجة 1447 - 12 يونيو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم



الخطبة الأولى:

مراجعة لأساليب التربية الدينية:

وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٌ ١٣
الأساليب التي يعتمدها الوالدان في التربية الدينية متعدّدة، ولربما تؤدّي كلُّها إلى أنْ يُصبحَ الطفل -عندما يكبر- مسلِماً مُصلّياً مُزكّياً صائماً يتجنّب الحرام -ولو في العلن فحسب-.
ولربما تكون بعض هذه الأساليب مختصرة مقارنة بالأخريات، بمعنى أنها لا تتطلّب جهداً كبيراً من الوالدين لجعل الطفل يكبر بهذه الصورة.
كل هذا مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ لشخصية الطفل دوراً أيضاً في المسألة، فهناك العنيد، وهناك الموافق، وثالث بليد، ورابع مراوغ، وآخر كثير السؤال، وتجد اللا أبالي... إلخ.
ولكن تحقيق هذه النتيجة لا يعني أنّ كل الأساليب التي اعتُمدت سليمة تربوياً، وأوجدت شخصية متوازنة في تديّنها، ومستقرّة نفسياً، وعن قناعة وإدراك.
بل تجد أحياناً أنّ هذا الطفل -عندما يكبر متديّناً- عنيفاً في تديّنه، وعبارة عن كتلة من العُقد والتعصّب والأحقاد الموجَّهة ضد الآخرين.
كما قد يكون متديناً في الظاهر، فاسقاً في الباطن.
كما قد تجده ذا قابلية سريعة للانحراف والفساد.
ولا أنكر أنّ في البين نقاشاً طويلاً حول ماهيّة الأسلوب التربوي الأمثل في هذا المجال، وأنّ ما سأطرحه ليس متّفقاً عليه، ولكن هي وجهة نظر أطرحها للتفكير والبحث.
وليكون منطلق التدبّر في ذلك سورة لقمان... الوالدان ومعلّمو التربية الإسلامية مدعوّون للتدبّر في الأسلوب المعروض في وصايا لقمان لابنه... وهو ما سنتوقف عنده في الخطبة الثانية بإذن الله تعالى.


الخطبة الثانية:

الأسلوب التربوي في وصايا لقمان:

عند التدبر في الأسلوب التربوي في وصايا لقمان والمتعلّقة بالركن الأول والأساس في الإيمان -التوحيد- نجد أنها جاءت في قالب الإقناع لا التهديد: وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٌ ١٣.
فقوله: إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٌ ليس من صنف التهديد والتخويف بالعقاب، بل من صنف الخطاب الوجداني... أليس من الظلم العظيم أن ندير ظهورنا للخالق المُنعم المُفضِل، ونُقبِل على مخلوقات وأوهام فنجعل لها مقام الألوهية بما يستتبع ذلك من صور العبادة والخضوع؟
وعندما وجّهه لبر الوالدين انطلق من الناحية الوجدانية والعاطفية أيضاً: (حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ.... وهكذا الأمر في سائر الوصايا.
وحتى في كلامه عن الشرك والمصير الأخروى لم يذكر العذاب والإحراق بالنار:
وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَا وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥
واحدة من الأساليب الخاطئة تربوياً، والتي تُمثّل الطريقة الأكثر انتشاراً والأسرع تأثيراً لتحقيق الهدف هو الأسلوب التهديدي التخويفي.
أمثلة: يقول الوالدان:
مَن يكذب يدخله الله النار! مَن لا يصلّي يحرقه الله في جهنمإنْ خالفتَ كلامي، لن يحبّك الله وسيعاقبك!

ولربّما يمارس أحد الوالدين أصنافاً مِن العقاب البدني أو النفسي الشديد... ضرب عنيف، سجن في غرفة مظلمة، جَلد، كوي بأدوات حارة... إلخ.
نتيجة هذا التهديد والتخويف المستمر والعقاب قد يجعل من هذا الطفل يخاف أن يكذب، وأن يصلّي، ولا يمدّ يده إلى حاجيات أخيه، يسمع كلام الوالدين... هل هناك ما هو أفضل من هذا؟ ألم يتحقق ما أراده الوالدان؟ بل وبأقصر طريق.
تعالوا أنقل لكم تجربة طفل مع والدته. تقول الأم: سألني صغيري ذات مساء عقب عودته من يومه الدراسيّ: يا أمي، ما يفعل الله بعذابنا المستمر الذي لا ينقطع، أخلقنا كي يعذبنا ويحرقنا على كل شيء نفعله؟! ولما هو يكرهنا هكذا؟.
سألته الأم من أين جلب هذه الأفكار، فأخبرني أنّ معلمته لا تنفك تُعلّمهم أنّهم إذا لما يأتوا الصف مُبكرين، فسيعذبهم الله، وأنهم إذا لم يصمتوا خلال الدرس فسيغضب منهم الله.
باختصار، الله سبحانه عند بعض الوالدين والمعلمين أداة عقاب وتخويف.
هذا الطفل الذي لا يدرك ما هو الله بعد، وما هي حقيقة الرب، الرحمن، الرحيم، الذي تفوق رأفتُه على عباده رأفة الأم على طفلها، صار عند هذا الطفل هو الموجود فائق القوة، ودائم الغضب، شديد العقاب، الذي يُدخل الناسَ النارَ، ويعذّبهم بها أشدّ العذاب.
ويبقى هذا السؤال عالقاً في ذهن هذا الطفل حتى عندما يكبر: لماذا خلقنا الله ليكون مصيرُنا العذاب والعقاب والنار في الآخرة؟ بل لماذا يخلقنا وحياتُنا كلُّها عذاب وشر؟
هذا الطفل قد يستمرّ على تديّنه، لكن لا عن قناعة، ولا عن حب، ولا يستطيع أن يُحبِّب الناسَ إلى الدين، ولربما يكون ذا وجهين في تديّنه... ولربما تبقى صورة الله في ذهنه -إلى أن يكبر ويشيب- صورة الموجود المخيف... فهل هذا هو التديّن المنشود؟
من لطيف ما قرأت في ذلك كلمات لابن خلدون حيث قال: مَن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين، سطا به القهر وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبث، والتظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلّمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخُلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك.
إنّ ما سبق لا يعني نفي الدور التربوي للتخويف والتحذير والإنذار والمحاسبة والعقاب، ولكنني أقول: هل هذا هو الأصل في التربية الدينية؟ هل هذا هو الأسلوب الوحيد الذي يجب أن نعتمده في هذه التربية؟ أم أنها أداة من أدوات التربية التي يجب أن نتعامل معها بحذر شديد، وبحكمة، وبأساليب مشروعة، وفي مراتب متأخّرة حين لا تُجدي الأساليب الأخرى، وضمن حدود، مع التنبّه إلى عدم ترتّب آثارٍ سلبية أكبر على المستوى النفسي والسلوكي عند هذا الطفل بحيث تكون صورة الله سبحانه عندَه صورة الموجود المخيف الذي يُحب أن يُعذِّب. إنّ على الوالدين والمعلّمين أن يفكّروا بالأساليب البديلة، ومنها أسلوب التحبيب، فمن يُحب يعمل على أنْ لا يُخالف محبوبَه، ومن يُحب يعمل على أن يكون محبوبَه عنه راضياً ما وجد إلى ذلك سبيلاً. هذا ما نجده ماثلاً في الأسلوب التربوي للقمان في وصايا لابنه، كما ونجد في ختام كل مفردة مِن مفردات هذه الوصايا بياناً للحكمةِ مِن ورائها.. أليس من الرائع أنْ يكونَ منطلق التديّن والعمل بطاعةِ الله تعالى هو حبُّ الله، والعمل على نيل رضاه، والوعي والانجذاب إلى الحِكَم الكامنة في ما أمر الله به وما نهى عنه؟!

Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait