خطبتا صلاة الجمعة 19 ذوالحجة 1447 - 5 يونيو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم
الخطبة الأولى:
قال تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً (١٩) إِذا
مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (٢١) إِلاَّ
الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلی صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) [سورة
المعارج]
تشير الآيات إلى جانب تكويني
في الإنسان يَعكس ضعفَه... هذا الجانب التكويني يبرز على مستوى الحالة النفسية،
والحالة النفسية تنعكس على سلوكه... الآيات تتكلم عن الهلع.
والآيات بدورِها تبيّن ما
المراد من الهلع... الهلع يعني سرعة الجزع عند مسِّ
المكروه، وسرعة المنع عند مسِّ الخير.. إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (٢٠) وَ إِذا مَسَّهُ
الْخَيْرُ مَنُوعاً (21)
هذه حالة ضعف... لو كان الإنسان قوياً من الناحية
المعنوية لما عاش هذه الحالة النفسية والسلوكية في سرعة الانفعال:
1) شدّة جزع عند المصيبة: عدم السيطرة على مشاعر الحزن
والألم.. وبصورة مبالغ فيها.
2) شدة حرص عند النعمة: فيبخل عن العطاء، ويمتنع عن
إشراك الآخرين بالتمتّع والانتفاع ولو بجزء بسيط من هذه النعمة... وحرصه هذا وبخله
يكون بصورة مبالغ فيها.
وحيث أقرّت الآية القرآنية أنّ للمسألة بُعداً
تكوينياً، فهل هذا يعني الاستسلام لهذا الضعف وعدم إمكانية التغيير بالمطلق؟
تجيب الآيات اللاحقة على هذا التساؤل من خلال استعمال
أداة الاستثناء: (إِلاَّ).
ومن هو المستثنى الذي يستطيع أن يتغلّب على هذا الضعف
البشري؟
تجيب الآية: إِلاَّ الْمُصَلِّينَ.
ولكننا نجد نسبةً لا بأس بها مِن المصلّين يهلعون،
فيجزعون ويمنعون..
وهو ما تُقرّ به سورة الماعون
حيث تتحدث عن المصلين: (فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ ٤) ثم
تذكر أنّ هؤلاء يتّصفون بشدّة الحرص والبخل والمنع: (وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ ٧)
فأين الخلل؟...
تعود الآيات في سورتي المعارج والماعون لتجيب.
أما سورة الماعون فتجيب بصورة
مقتضبة: ٱلَّذِينَ هُمۡ
عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ ٥
هناك مشكلة في صلاتهم... يصلّون
ولكنّ صلاتهم ليست ذات أولوية في حياتهم... صلاة تأتي على هامش حياتهم.. يؤدّونها
أحياناً، ويهملونها أحياناً أخرى... ولذا فهي ليست مؤثّرة.. ليست فعّالة... ولذا تجدهم:
يُرَآءُونَ ٦ وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ ٧.
أما سورة المعارج فتفصّل لنا كيف
يمكن للصلاة الحقيقية أن تبني البُعد المعنوي في الإنسان ليتخلّص من ضعفه التكويني
المتمثّل في الهلع.. الجزع.. والمنع. وهو
ما سنتوقف عنده في الخطبة الثانية بإذن الله تعالى.
الخطبة الثانية:
ذكرت في نهاية الخطبة الأولى
أن سورة المعارج تفصّل لنا كيف يمكن للصلاة الحقيقية أن تبني البُعد المعنوي في
الإنسان ليتخلّص من ضعفه التكويني المتمثّل في الهلع.
ويمكن تقسيم ما جاء في الآيات
اللاحقة المبيّنة لذلك إلى أقسام:
1) البُعد العبادي: بالمعنى الخاص للعبادة، وعلى رأسها الصلاة، عمود
الدين. علاقتهم بالصلاة تكون وفقاً للصورة التالية: ٱلَّذِينَ
هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ ٢٣... إنهم ليسوا من: ٱلَّذِينَ
هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ ٥... على
خلاف مَن ذُكروا في سورة الماعون.
وتعود السورة في نهاية البيان لتؤكد مجدداً على أهمية
إقامة الصلاة، ولكن مع مراعاة الكيف: وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٣٤، بكل
ما تعنيه جملة (يُحَافِظُونَ) من عناية ورعاية، وأولوية في الحياة.
2) بُعد التكافل الاجتماعي:
وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ ٢٥
في (الكافي) يروي أبوبصير أن مجموعة ممّن أنعم الله
عليهم بالمال كانوا عند الإمام الصادق (ع)، فبادر الإمام وذكر أنّ مَن يخرج الزكاة
لا يستحق الثناء والمديح، لأنه قام بما هو فرض عليه، ولو لم يقم بهذا الفرض
لترتّبت على ذلك مجموعة من التبعات السلبية، ثم قال (وإنّ عليكم في أموالكم غير
الزكاة، فقلت: أصلحك الله، وما علينا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال: سبحان الله،
أما تسمع الله عزّ وجلّ يقول في كتابه: [وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ،
لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ)؟ قال: قلت: ماذا الحق المعلوم الذي علينا؟ قال: هو الشيء
يعمله الرجل في ماله، يعطيه في اليوم، أو في الجمعة، أو في الشهر، قل أو كثر، غير
أنه يدوم عليه).
3) البُعد الإيماني: الخاص بالتصديق بالآخرة وشؤونها: (وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٢٦
التصديق يعني أن لا تبقى المسألة عند حدّ المعلومة
والفكرة، بل أن يكون لها انعكاساتها.
أكثر الناس يعرفون الآخرة، ولكنهم لا يصدِّقون بها،
لأن التصديق بها يعني أن يكونوا كما بيّنت الآيات: (وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ
رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٢٧ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ ٢٨).
من يُصدِّق بيوم الدين والحساب يتخوّف مِن تبعات
ارتكاب السيئات وعقوباتها، ولذا يتحوّل هذا التصديق إلى تقوى عملية، أي رقابة
ذاتية وانضباط تلقائي في السلوك.
4) البُعد الغرائزي:
الغرائز متعددة، ولكن حيث كانت الغريزة الجنسية من أقوى المحرّكات للانحراف
السلوكي، جيء بها: (وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٢٩ إِلَّا
عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ
مَلُومِينَ ٣٠
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ
هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٣١).
5) بُعد التعاملات: الاجتماعية
منها، والاقتصادية، والسياسية، وغيرها: (وَٱلَّذِينَ
هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٣٢ وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِمۡ قَآئِمُونَ ٣٣).
الأمانة، والوفاء بالعهود والمواثيق، وأداء الشهادة
بالحق، مع أي إنسان، مسلم أو كافر، قريب أو بعيد، تحبّه أو تبغضه.
الخلاصة: إنّ مَن يحقق المعادلة السابقة بالمحافظة على الصلاة ورعايتها، وبإلزام النفس بالتكافل الاجتماعي المالي، وبالحضور الفاعل لإيمانه بالآخرة في حياته اليومية بكل تفرّعاتها، في الجانب الغرائزي والتعامل الاجتماعي والمالي وغير ذلك، فإنه يخطو في الاتجاه الصحيح للتغلب على ذلك الضعف التكويني الذي وصفته الآيات الشريفة في قوله تعالى: (إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً)، وليكون موعوداً أيضاً بعود الله سبحانه إذا يقول: (أُوْلَٰٓئِكَ فِي جَنَّٰتٖ مُّكۡرَمُونَ ٣٥).

Comments
Post a Comment