خطبتا صلاة الجمعة 10 محرم 1448 - 26 يونيو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم
الخطبة الأولى:
على أعتاب الفراق العظيم:
حين يفقد الإنسان حبيباً فذاك
مصابٌ جَلل.. وحين يفقد الإنسان أخاً فالمصيبة عظيمة.. وحين يفقد الإنسان ابناً
فالمصيبة أعظم.. فأي مصيبة تلك التي حلّت بالعقيلة زينب في يوم عاشوراء؟!
أيُّ فراق هذا ؟ يا حسين ..
أي فراق هذا الذي حداؤه سياط
الجلادين، وتحف به نصل السيوف، وتعطّره رائحة الدماء، وتُنشد له حشرجات البكاء؟
أي فراق هذا الذي كان تأويلَ
ولهِك الشديد إلى أسلافك، وقد خِيرَ لهم دارُ المُقامة في مقعد صدق عند مليك
مقتدر؟
أي فراق هذا الذي كان تأويلَ
قولِ الحق حين أطلقْـتَه في سماء حرم الأمن الإلهي، فتردد في آفاقه شوقاً كشوق
يعقوبَ إلى يوسف بعد أن طال به الفراق وعمّق كَلْمَه حنينُ الذكريات؟
أي فراق هذا -أُخيّ حسين-
وعسلانُ الفلوات قد قطّعت أوصالَك، وأكراشها الجوفى لا تمتلئ.. حقداً وخِسّة.
دعني -أُخيّ حسين- أقبّل
جيدَك الذي خطت عليه شفراتُ الردى كلمتَها، فقلّدتكَ أوسمةَ الشهادةِ الأسمى..
ألأوصالك المحطمة تحت سنابك
الخيل أن تملأ أحضاني كما كان جسدك يملأُ أحضانَ أمِّنا الزهراء؟
ألدفءِ نظراتك أن تعود فأقرأُ
فيها الأمان، وأغمضُ عينيّ عليها بسلام؟
هيهات أن تُغمَضَ عينِي، وقذى
كربلاء أبى إلا أن يفترش أجفاني!
هيهات أن أشعر بلذيذ المَنامة
بعد اليوم، وجمرُ الطفِّ أشعل سُهادي!
أي فراق هذا وأنا أخيِّر نفسي: أأجزع على مصابك، أم أصبر
جازعة!
ولكنني تذكرت تلك الوصية
الحانية: اصبري ـ قرةَ العين ـ ولا تشقي الجيب عليّ.
ومادام لي في قلبكِ موطئاً،
فإلاّ نزّهتِ وجهَكِ الأنور عن خمشةٍ جازعة أو لطمةٍ دامية!
فصبرتُ وصبرتُ وصبرتُ
واستشرفتُ أنكَ وحيداً وقفتَ..
وعيناك تستشرفان الغيوبْ..
وتنفتحان على ألف جرح وجرحْ.
وينزف جرحك دمعاً على
التائهينْ.. على ألف صحراء في التيه خلف الزمانْ.
وكفّاك يا للعطاء الذي يُنزل
المطر.. ويشرب منه الظِماء.. الذين يشيرون الى الغيث في لهفة السؤال..
عطاشى الحقيقةْ.. الى أين
نجري؟ وماذا لدى الروح.. من صبَوات الضياءْ.
وللوعي صرخةُ جوعٍ يئنُّ
بحزنِ الجياعْ.. ويفتحُ فاه.. ويهفو الى السرِّ في العمق خلف الكهوفْ.
وحيداً وقفتَ.. وفي مقلتيك
تفوحُ الدماءْ.. كما الوردُ في روعةِ الربيع.. يزِفُّ العبيرْ.
دماءَ الشهادة.. التي تصنع
الورود.. لتزرع في كل جيل الرسالة وردةْ.
لتمضي المسيرةْ.. تخطط للعزِّ
خطَّ الكرامةْ.
وتحضنُ بالحب روحَ الشهامةْ..
وفي الغد للحق ألف أمَلْ.
وفي الفجر يصرخ خيرُ العمل..
وأنتَ تصرخُ يا أيها المؤمنونْ.. تعالوا إليّ.
ففي كلماتي سرُّ الحياةْ..
وفي خطواتي دربُ النجاةْ.. وعلى وقع خطواتك أسير ـ أخيّ حسين ـ ..
فإني أشهد أنك مصباحُ الهدى
وسفينةُ النجاة.
الخطبة الثانية:
جذور التوحش: الحسد الإبليسي ومأساة كربلاء:
قال تعالى: (أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ
عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ
ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤)
[سورة النساء]
جاءت هذه الآية الشريفة في سياق الحديث عن الموقف السلبي
لبعض أهل الكتاب تجاه الرسالة والرسول (ص)، فجحدوا، وأنكروا، ووالوا المشركين ضد
النبي والمؤمنين، وساندوهم، وكذبوا بالمستوى التالي: (أَلَمۡ تَرَ إِلَى
ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ
وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١).
فلماذا اتخذوا هذا الموقف الذي أهلكوا به أنفسهَم مع
أنهم يدركون في قرارة أنفسهم أن الموحدين المؤمنين بالرسل والرسالات السابقة أقرب
إليهم، وأهدى سبيلاً من المشركين؟
الجواب في الآية: (أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ
عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ)..
الحسد.
وسبقهم إلى إهلاك نفسه إبليس الذي مزج بين الكِبر
والحسد، فكان منه أن: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ) لاحظ
الوقاحة في خطابه لله والتحدّي (لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ
الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا 62) [الإسراء].
ولا أشك أن بعضاً ممّن قاتل الحسين أو أمر بقتله -كيزيد
وابن زياد والشمر- كان جانباً من أسباب جرائمه في يوم عاشوراء كان هو الحسد.
وهو ما قد يقدِّم لنا بعض التفسير للتوحّش في ما ارتُكب
من جرائم في ذلك اليوم، في قطع الرؤوس، والدفع بالخيول لتطأ جسد الحسين، والكثير
من الصور الهمجية المنقولة في الروايات التاريخية حول تفاصيل ما جرى في ذلك اليوم.
ولعل هذا مصداق من مصاديق ما روي عن الباقر (ع) كما في
الكافي حيث قال وهو يعلّق على قوله تعالى: (أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ
عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ)
فقال: (نحن الناس المحسودون)!!!

Comments
Post a Comment