خطبتا صلاة الجمعة 5 ذوالحجة 1447 - 22 مايو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم
الخطبة الأولى:
• عن الباقر (ع):
(ما مِن بَرّ ولا فاجر يقف بجبال عرفات فيدعو الله، إلّا استجاب الله له، أمّا
البرّ ففي حوائج الدنيا والآخرة، وأمّا الفاجر ففي أمر الدنيا).
• وعنه (ع): (لقد
نظر عليّ بن الحسين [ع] يوم عرفة إلى قوم يسألون الناس، فقال [ع]: ويحكم، أ غير
الله تسألون في مثل هذا اليوم؟ إنّه ليُرجى في هذا اليوم لما في
بطون الحبالى أن يكون سعيداً).
• أي أنّ مستوى
عطاء الله في هذا اليوم يشمل حتى الجنين الذي لم ير النور بعدُ.
• وفي دعاء الإمام زين العابدين في
الصحيفة السجادية في يوم عرفة: (اللَّهُمَّ هَذَا يَوْمُ عَرَفَةَ، يَوْمٌ
شَرَّفْتَهُ وَكَرَّمْتَهُ وَعَظَّمْتَهُ، نَشَرْتَ فِيهِ رَحْمَتَكَ، وَمَنَنْتَ
فِيهِ بِعَفْوِكَ وَأَجْزَلْتَ فِيهِ عَطِيَّتَكَ، وَتَفَضَّلْتَ بِهِ عَلَى
عِبَادِكَ).
• وإنْ لم نُوفَّق للحجِّ هذا العام، فنسأل الله أن يوفّقنا
ذلك في ما يأتي مِن عمرنا، إلا أنّ هذا لا يعني أنْ نحرم أنفسَنا من عطاءات هذا
اليوم ورحماته ولو لم نحضر ذلك المشهد العظيم مع حجاج بيت الله، ولذا أدعو نفسي
وأدعوكم للعناية بيوم التاسع من ذي الحجة، بالصيام لمن يجد إلى ذلك سبيلاً،
وبالإقبال على الله تعالى بالصلاة والدعاء والاستغفار والتوبة.
• اللهم اجْعَلْ قَلْبِي
وَاثِقاً بِمَا عِنْدَكَ، وَهَمِّيَ مُسْتَفْرَغاً لِمَا هُوَ لَكَ،
وَاسْتَعْمِلْنِي بِما تَسْتَعْمِلُ بِهِ خَالِصَتَكَ، وَاجْمَعْ لِي الْغِنى،
وَالْعَفَافَ، وَالدَّعَةَ، وَالْمُعَافَاةَ، وَالصِّحَّةَ، وَالسَّعَةَ،
وَالطُّمَأْنِيْنَةَ، وَالْعَافِيَةَ، وَلاَ تُحْبِطْ حَسَنَاتِي بِمَا يَشُوبُهَا
مِنْ مَعْصِيَتِكَ، وَافْتَحْ لِيَ أَبْوَابَ تَوْبَتِكَ وَرَحْمَتِكَ
وَرَأْفَتِكَ وَرِزْقِكَ الواسِعِ، إنِّي إلَيْكَ مِنَ الرَّاغِبِينَ، وَأَتْمِمْ
لِي إنْعَامَكَ، إنَّكَ خَيْرُ الْمُنْعِمِيْنَ.
الخطبة الثانية:
• (يُجَادِلُنَا
فِي قَوْمِ لُوطٍ 74 إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ 75) [هود].
• أرسل الله عدداً
من الملائكة لأمرين، الأول لتبشير إبراهيم وزوجته سارة بأنهما سيرزقان بمولود على
الرغم من كبر سنهما، ولإعلام إبراهيم بما سينزل من العذاب على قوم لوط.
• هنا يتدخل
النبي إبراهيم (ع) في حديثه مع الملائكة – ولعله في مناجاته مع الله أيضاً - في
محاولة منه لرفع هذا العذاب، أو تأجيله على الأقل بإعطاء قوم لوط المزيد من الوقت
لعلهم يرتدعون ويهتدون.
• لذا وَصف
الله (تعالى) إبراهيم بأنه:
1. (حَلِيمٌ) أي لا يبادر إلى إنزال العقوبة
بالآخرين، ولا يبادر بالانتقام، عنده ضبط للنفس في أفعاله، وفي ردود أفعاله. مع
التأكيد باللام في بداية الكلمة (لَحَلِيمٌ).
2. (أَوَّاهٌ) أي كثير التأوه، بمعنى أنه صاحب حس
مرهف، يتألم لآلام الآخرين، يتفاعل مع أحاسيسهم وحاجاتهم. وهذا ثناء إلهي عليه.
3.(مُّنِيبٌ) أي كثير الرجوع إلى الله في كل
أموره... فهو عندما جادل في هذا الموقف، لم يكن جداله اعتراضاً على الإرادة
الإلهية، ولكنه يتشفّع ويتوسّل ويرجو.
• تحدَّث
القرآن عن قوم لوط في أفعالهم كالتالي: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ
أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ،
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ
قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ) [الأعراف:80-81] أي في الذنوب كماً وكيفاً.
• وفي آية أخرى: (أَئِنَّكُمْ
لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ
اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) [العنكبوت:29].
• وفي آية
ثالثة: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ) [الشعراء:160].
• إذاً هم بهذا
المستوى مِن السوء، ومع هذا نجد قلب إبراهيم (ع) يخفق رحمةً بهم.
• وانظر إلى
المتديّنين اليوم، تجد لدى قسمٍ كبيرٍ منهم مشاعر حادة تجاه سائر الناس ممن لا
يلتقون معهم، في الدين، أو المذهب، أو الذين يرتكبون المعاصي، فيتمنّون هلاكهم،
وموتهم، والقضاء عليهم بصورة أو بأخرى... الله يحرقهم .. قطيعة تقطعهم.
• أولاً، لو أراد الله إهلاكهم،
أو أن لا يكون لهم وجود في هذه الحياة أصلاً، لفعل، والله ليس بانتظارنا كي نقرر
مصيرهم.
• ثانياً، الله أعلم
بحال هؤلاء الناس، وبمصيرهم، وما هي الحكمة من خلقهم ومن بقائهم في الوجود... هذه
إرادته، وهو الذي يحيي ويميت، فما شأننا نحن ومسألة حياتهم وإهلاكهم؟
• ثالثاً، الله يخرج
الحي من الميت... لربما يأتي زمان وتجد أنّ من بين العصاة أو غير المؤمنين بدينك
قد خرجَت ذريّة مؤمنة صالحة، من جنود الله في الأرض.
• رابعاً، فليجتهد مَن
يدعو عليهم -بالموت والفناء- لإصلاح الفاسد منهم، ولهدايتهم إن كان من المهتدين.. بالحكمة
والموعظة الحسنة.
• خامساً، فلنراجع
أنفسنا وأخطاءنا ولننشغل بعيوبنا بدلاً من الدعاء على الآخرين بالهلاك.
• سادساً، لقد أثنى
الله على إبراهيم لأن قلبه تمنى حياة هؤلاء وإعطائهم الفرصة لعلهم يهتدون على
الرغم من مفاسدهم وانحرافاتهم.... هكذا يريدنا الله أن نكون.
• قد يقول قائل،
ولكن نوحاً قال: (وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ
الْكَافِرِينَ دَيَّارًا) [نوح:26]، فنحن في دعواتنا عليهم بالإهلاك نقتدي به
ونهتدي بفعله.. والجواب في
نقاط:
1. تجربتنا حتماً ليست كتجربة نوح (ع) في السعي للهداية
على مدى السنوات الطويلة والطرق المختلفة التي جرّبها معهم.
2. ما دعى عليهم بالإهلاك إلا بعد استنفاذ كل الوسائل،
وبحيث أن بقاءهم سيكون – بحسب تقديره كالتالي: (إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ
يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا) [نوح:27]. فهل نملك
مثل هذا العلم بحال سائر الناس؟
• لقد أثنى الله
تعالى على الحس المرهف عند إبراهيم، وعلى حِلمِه، وعلى إنابته حيث قال: (يُجَادِلُنَا
فِي قَوْمِ لُوطٍ 74 إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ 75) وهكذا
ينبغي أن يكون المسلم، ولو بدرجة من درجات ذلك، لا أن يكون قاسيَ القلب، سريعَ
الغضب، يتمنّى الشرَّ والهلاكَ لخلق الله، ولو أراد الله إهلاكهم، أو أن لا يكون
لهم وجود في هذه الحياة أصلاً، لفعل، ولكنه (سبحانه) الحكيم العليم، ولعلّ في
ذريّة هؤلاء مَن يكون بذرةَ إيمان وخير وصلاح في مستقبل الأيام، ولنعمل على دعوتهم
إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، ولننشغل بأنفسنا لإصلاحها، ولربما تغيّر حالُ
الآخرين إلى الأحسن لو كنّا نؤدّي مسؤولياتنا كما ينبغي في هذا الطريق.


Comments
Post a Comment