خطبتا صلاة الجمعة 27 ذوالقعدة 1447 - 15 مايو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم

 


الخطبة الأولى:

عن الإمام محمد الجواد (ع): (مَن شَهِدَ أمراً فكرهه، كان كمن غاب عنه، ومَن غاب عن أمرٍ فرضِيَه، كان كمن شَهِده).

قد تضعك الظروف في موقفٍ سلبي، كجماعة يرتكبون منكراً، ولا تملك حينها أن تُغيِّر من ذلك شيئاً، لأنك لم تكن تملك أدوات التغيير، أو عدم التواجد في المكان، ولكنك رفضته في قلبك وكرهته، فحالك حينئذ حال مَن غاب عن هذا الحدث ولم يشهده.

وقد تغيب جسدياً عن ذلك الموقف السلبي، ولكنك تمنّيت في قلبك لو كنت حاضراً ومشاركاً في ما جرى، فحالك حينئذ كحال مَن حضر هذا الحدث.

• وهذا يعني أنّ للنيات الصادقة والأمنيات الجادّة النابعة من القلب قيمة إيجابية، وأخرى سلبية، فحاذِر أنْ تتساهلَ في أمنياتك، فقد تقودُك في يومٍ ما للوقوع في ما قد تندم منه.


الخطبة الثانية:

يتحمّس البعض للمقولات التي تظهر من حين إلى آخر بادعاء اكتشاف أن القرآن الكريم قد تحدّث عن المسألة العلمية الفلانية قبل أكثر من 1400 سنة.

لا اعتراض عندي على أنّ القرآن الكريم قام فعلاً بذكر أمورٍ ذات بُعد علمي كانت خافية على الناس في ذلك الزمان، من قبيل: (أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠) [الأنبياء]. وقوله تعالى: (أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا ٦ وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا ٧) [النبأ].

إلا أنّ في البين مبالغات كثيرة، وادعاءات عديدة غير دقيقة، بل ولها مردود عكسي عندما يتبيّن خطأ المعلومة أو الفرضية، بما ينعكس سلباً على النظرة للآية.

ولذا ينبغي الالتفات إلى أمور:

• أولاً، القرآن الكريم في الأساس كتاب هداية وليس كتاباً للعلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء والفلك: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ57) [يونس].

وإذا ذَكر شيئاً من المعارف العلمية من قبيل آية الرتق والفتق التي مرّت معنا، أو قوله تعالى: (ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤) [المؤمنون] فإنما ذلك في طريق الهداية، وهو واضح من خلال قوله: (أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠) (فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤).

• ثانياً، قوله: (وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ ٨٩) [النحل] لا يعني أن القرآن بيّن كل المعلومات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية والتاريخية...

قال العلامة الطباطبائي: (الظاهر أن المراد بكل شيء كل ما يرجع إلى أمر الهداية مما يحتاج إليه الناس في اهتدائهم، من المعارف الحقيقية المتعلقة بالمبدأ والمعاد والأخلاق الفاضلة والشرائع الإلهية والقصص والمواعظ، فهو تبيان لذلك كله).

• ثالثاً، هناك استعجال واضح عند البعض في طرح (أو قبول) ما يُعرَض تحت عنوان الاكتشافات العلمية في القرآن، قبل التأكد من صحّة هذه المعلومة ودقّتها.

تبادل الناس منشوراً فيه: (لا تدعوا للميت بقول: اللهم اجعل مثواه الجنة) لأن كلمة (مثوى) في القرآن ارتبطت بجهنم: (وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ 12) [محمد]، ولكن قولوا (مأواه الجنة)، لأن كلمة (مأوى) في القرآن ارتبطت بالجنة: (عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ ١٥) [النجم].

ملاحظة: المثال لا يخص معلومة علمية ولكن لبيان الاستعجال.

ومن صنع هذا المنشور أو من صدّقه ونشره، لو أتعبوا أنفسهم قليلاً لوجدوا أن هذا الكلام باطل من أساسه، بدليل: (أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصا ١٢١) [النساء]، (وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩) [محمد]. وغيرها

• رابعاً، قد تكون المعلومة صحيحة، ولكن مَن قال أن الآية -بالفعل- تتحدث عنها؟ هناك تساهل واضح في مثل هذه الادّعاءات دون تثبّت.

مثلاً: (أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ... ٤١) [الرعد]، فبعد اكتشاف أنّ المسطحات الأرضية تتقلص على حساب المسطحات المائية لارتفاع منسوب البحار، وانضغاط القشرة الأرضية.. إلخ، تسرّع البعض وقال بأن الآية تتحدث عن هذه الظاهرة.

في حين أنهم لو تريثوا قليلاً وبحثوا في القرآن لوجدوا المراد واضحاً أمامهم في آية قريبة منها: (بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤) [الأنبياء]، فالآية تتحدث عن الأمم التي تهلك.

قال العلامة الطباطبائي: (المعنى: أ فلا يرون أنّ الأرض تنقص منها أمة بعد أمة بالانقراض بأمر الله فما ذا يمنعه أنْ يُهلكَهم أ فهم الغالبون إنْ أرادهم الله سبحانه بضر أو هلاك وانقراض). ولعل السبب الرئيس في سوء الفهم هذا هو عدم مراعاة النقطة التالية.

• خامساً، النص القرآني ذو طابع أدبي، وفيه الكثير من المجاز، ولذا فقد لا يكون المراد من الآية المعنى الظاهر منها، كما في الآية السابقة، وعدم مراعاة ذلك قد يؤدّي إلى الخلل في فهم الآية وتحميلها بُعداً علمياً ما لم يُقصَد.

• سادساً، البعض يوظّف الآيات في ادّعاء ما وهو لا يُحسِن فهم معناها، وذلك من قبيل تمسّك البعض ببطلان كروية الأرض بدليل: (وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ٣٠) [النازعات]، في حين أنّ الدحو لا يعني نفي الكروية، بل انبساط الأرض لتكون قابلة للحياة.

• النتيجة: لقد ذكر القرآن الكريم أموراً ذاتَ بُعد علمي كانت خافية على الناس في زمن نزوله، إلا أنّ هذا لا يعني أنْ نستغرقَ ونستعجلَ ونتساهلَ في تحميلِ آياتِه مفرداتٍ أو فرضيّاتٍ علميّة، لأنّ العلومَ الطبيعيةَ والإنسانيةَ عمليةٌ تراكميةٌ قائمةٌ على الشكِّ والتجريب، والزجُّ بالنصِّ الدينيِّ لادّعاءِ أنّ الآية كشَفت عن هذه المعلومة أو الفرضية قبل زمن طويل يُعدُّ مخاطرةً تمسّ قداسة النص القرآني، إذ قد تتبدّل القناعات والتصوّرات الخاصة بالمسائل العلمية من وقت إلى آخر، كما أنّها تمثّل خللاً في المنهجية، لأنّ إضفاءَ صفةِ القداسةِ على المفردةِ العلمية يسلبُ منها الجوهر النقدي، ويُخليها من طبيعتها الاستكشافية، ويحوّل النصّ إلى وسيلةٍ لفرضِ قناعاتٍ مسبقة، فيجعلنا ندور في حلقةِ التبريرِ المستمر. ولذا، فإنّ أقصى ما يمكن ادّعاؤه في مثل هذه الحالات أنْ نضع المسألة في دائرة الاحتمال، بعد التأكّد من قابلية النصّ القرآني لتحمّل هذا المعنى، ودقّة المفردة العلمية.


Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait