خطبتا صلاة الجمعة 20 ذوالقعدة 1447 - 8 مايو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم
الخطبة الأولى:
• آيتان تلخّصان نظرة الإسلام لتوازن علاقة الفرد بالدنيا
والآخرة، وبين الحاجات الفردية والاجتماعية، والعناية بالمظهر وبالباطن، بالبدن
وبالروح:
• الآية
الأولى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [31] قُلْ مَنْ
حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ
الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً
يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [32]
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ
وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ
يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [33])
[الأعراف].
• الآية الثانية: (وَابْتَغِ
فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا
وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [77]) [القصص].
• حدَث على عهد النبي (ص) -فما بعد- أنْ حاول البعض مخالفة
ذلك والتطرّف في اتجاه نكران الذات وحاجاتها المادية بالكامل، والعناية بالبُعد
الروحي فحسب، إلا أن وضوح البيان القرآني حولها وإحكامه، وجهود النبي والمخلصين من
الأمّة فوّت الفرصة وقلّص تأثيراتها.
• ولذا، لا يعاني المتديّن المسلم الواعي لهذه الحقيقة،
والملتزم بتعاليم الإسلام بأبعادها المختلفة، من مشكلة الصراع بين متطلبات الجسد،
وغايات الروح، والحاجة الاجتماعية، لأنّ القرآن بيّن أنّ الرهبنة غير مطلوبة: (وَرَهْبَانِيَّةً
ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ
فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا... [2]) [الحديد].
• إلا أنّ هذه المعادلة تختلّ عند كثير من الناس، وحتى المسلمين،
في أكثر من اتجاه، وهو ما سنتوقف عند أحد مظاهره في الخطبة الثانية.
الخطبة الثانية:
• في
عام 2025، يُقدَّر أنّ البشر التقطوا ما يقارب 80 مليار صورة سيلفي. كان عدد
السكان آنذاك بحدود 8 مليارات و200 مليون نسمة تقريباً.
• المسألة ليست مسألة أرقام أو إحصاءات، بل كيف صار الناس
ينظرون إلى أنفسهم، ويعرضونها على الآخرين، لربّما بشكل متواصل خلال اليوم، وكأنّ
الفرد قد تحوّل إلى مُنتَج ينتظر التقييم
والإشادة.
• للصحفي البريطاني (ويل
ستور:Storr Will) كتاب بعنوان:
Selfie: How the West Became
Self-Obsessed
• وتُرجم
الكتاب إلى العربية بعنوان: (كيف أصبحنا مهووسينَ بأنفسِنا إلى هذا الحدّ؟). ومن
الواضح أن العنوان هنا أشمل من العنوان الأصلي الذي يخص المجتمع الغربي.
• ولذا نجده يحلّل هذه الظاهرة من منظور ثقافي غربي، ولكن ما
طرحه يستحق التوقف عنده، ويمكن الاستفادة منه في فهم تأثير تلك الثقافة على
ثقافتنا.
• يقول المؤلِّف أنّ الظروف الحياتية في اليونان
القديمة أنتجت إنساناً أقرب إلى (المكافح الانتهازي)... اعتمِد على نفسك،
طوّر نفسَك، وكافح بقوّة لكي تنجو، وانتهِز الفُرص.
• وجاء أرسطو وأضاف شيئاً آخر، وهو أنّ قدراتِ الإنسان وتميّزَه
المهاري ومواهبَه وجمالَ مظهره الخارجي لا يكفي، بل عليه أن يعتني بباطنه وجوهره
الداخلي أيضاً.
• وهكذا، صارت الذات محور اهتمام الفرد في المجتمعات
الغربية المتحضّرة.
• ثمّ جاءت العصور الوسطى المسيحية، فتغيّرت النظرة إلى
الذات رأساً على عقب، حيث تشدّد الفكر المسيحي في نكران الذات، ومحاربة الرغبات.
• هذه النقطة أشار إليها بيغوفيتش في (الإسلام بين
الشرق والغرب) حيث قارن بين المتديّن المسلم والمسيحي، إذ يجد أن واحدة من بين
التمايزات اعتناء الأول بالنظافة وتكرر استعمال الماء، في حين أنّ التقوى عند
الثاني هي بالامتناع عن ذلك إلى درجة الاعتزاز بعدم مسّه.
• ولخّص (ستور) هذا
التحوّل في عبارة واحدة: مَن يطلب الكمال، عليه أن يخوض حرباً لا تهدأ مع روحه.
• ثم جاء الانقلاب على هذا
التوجّه مع الانقلاب على الكنيسة، وفي اتجاه متطرّف معاكس يستهدف العناية
بالذات، والبحث عن كمال الذات من جديد، والتركيز على الـ (أنا) بقوّة.
• ثم تطوّر الأمر اليوم، وصار الفرد يسعى إلى ما أسماه: (النزعة
الكمالية الاجتماعية).
• فلم يعد نجاح الفرد وكماله مسألة إرضاء للذات، بل يتحقق
النجاح بإرضاء الآخرين.
• وحين يعجز الفرد عن بلوغ ما
يتخيّل أنّ الآخرين ينتظرونه منه، ينهار!!!
• والسيلفي، ووسائل التواصل الاجتماعي، هما مظهر وأداة
هذا التحوّل الحاصل.
• ويتوصّل الكاتب إلى
النتيجة التالية: مع السيلفي والتواصل الاجتماعي، تتجاوز المسألةُ عرضَ الذات
إلى تحويل الهوية إلى لعبة بقواعد قابلة للقياس: عدد الإعجابات، عدد المتابعين،
عدد التعليقات. قيمتُك تصير رقماً يتحدّث عنك في غيابك.
• ويضيف: مطلوب
منك أن تكون في آن واحد: منفتحاً، نحيفاً، جميلاً، فردانياً، متفائلاً، مجتهداً،
وتمتلك دهاءَ ريادةِ الأعمال. الوجود الإنساني يصير مشروعاً تسويقياً متواصلاً.
• ثم يدعم الكاتب تحليله بنموذج
حقيقي: شابّة تملك (تيرابايت) من صور السيلفي، وتقضي ساعات حتى الفجر تنقّح صورها
قبل نشرها على الانستغرام.
• والضحية تسأل نفسَها
باستمرار: (كيف أبدو؟) إنها الصورة المستحدثة لـ (عبادة الذات).
• وما الثمن الذي تدفعه هذه الضحية؟ تركيز
مرَضي على المظهر - تراجع في الأداء المعرفي - ارتفاع في اضطرابات الأكل والاكتئاب.
• ويختم
الكاتب كلامه بتقديم نصيحة جوهرية لمن يعانون من هذا المرض الرقمي: ضَع الهاتف
جانباً، انسحب من الضوضاء الرقمية، وابنِ علاقات مع أشخاص يقبلونك كما أنت. ابحث
عن "مشاريع ذات جدوى" تملُكُ فيها قدرةً حقيقية -ولو محدودة- على الفعل
والتأثير. تذكّر
أنك محدود، غير كامل، ولا شيء بإمكانك فعلُه حيال ذلك.
• إنّ
جانباً مما قدّمه الكاتب البريطاني (ويل ستور) حول ما تكشفُ عنه ظاهرةُ السيلفي،
والهوسُ بالذات، والعارضُ المرَضي المتمثّلُ في السعيِ الدائمِ لإرضاءِ الآخرين، يُمثّل
تحليلاً مهمّاً وحساساً لمشكلة متفشّية ذاتِ تأثيراتٍ أعمقَ وأكثرَ امتداداً ممّا
قد تبدو عليه، فالمسألةُ ليست مجردَ خللٍ سلوكي، بل قد تكون انعكاساً لتصوّرات
الإنسان حولَ ذاتَه، لماذا وُجد؟ وإلى أين يتّجه؟ وما هي مسؤولياتُه تجاه ذلك
كلِّه؟ فهي مشكلةٌ ذاتُ بُعدٍ فلسفيٍّ وثقافيٍّ وإيمانيٍّ وأخلاقي، وتتطلّب مِن
المُبتلَى بها مُعالجةً فوريةً وعميقة.


Comments
Post a Comment