خطبتا صلاة الجمعة 6 ذوالقعدة 1447 - 24 أبريل 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم
الخطبة الأولى: حُلل وآداب
• في حكم نهج البلاغة: (الْعِلْمُ وِرَاثَةٌ
كَرِيمَةٌ، وَالْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، وَالْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ).
• كنا قد توقفنا عند المقطع الأول من هذه الحكمة ونتوقف
عند قوله: (وَالْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ)
• تذهب إلى السوق، فتشتري ثياباً جديدة وجميلة فتتزين وتتجمّل
بها. وهذا جيد ومطلوب.
• لكن الإمام (ع) ينبّه إلى مصدر آخر للتزين والتجمّل، هو
التزامك بالآداب، ومما يميّز هذه الحلل والثياب المعنوية أنها لا تبلى ولا تفقد
بريقها (حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ).
• فتلك الزينة الظاهرية تبلى أو تفقد بريقَها عندك... بل
عند بعض النساء عادة شراء ملابس الأفراح بأسعار غالية جداً، وعدم تكرار ارتدائها،
بادّعاء أنّ ذلك من المعيب عُرفاً.
• طبعاً الملاحظ عند بعض الشباب أنهم ما عادوا يعتنون
بالآداب، حتى على مستوى كلمة شكراً، فضلاً عن أمور أخرى، ولهذا أسباب عدّة من
بينها:
• إهمال الوالدين للتوجيه أو انشغالهما، واعتماد الأمهات
على الخادمات في العناية بالطفل.
• تمرّد بعض الشباب على الوضع الذي يعيشونه، فيشملون بذلك
الآداب.
• الانبهار بالثقافة الغربية والتأثّر بها، بما في ذلك
عدم الاعتناء ببعض الآداب في التعامل والمأكل والملبس والمظهر العام وغير ذلك.
• ضعف دور الخطاب الديني والإعلامي في قيامه بهذه
المسؤولية.
• التأثير السلبي لبعض المنتجات الإعلامية والفنية التي
تخالف هذه الآداب.
• خلاصة القول: الآداب زينة
متجدّدة، وجمال في السلوك، فلنتحلّ بها.
الخطبة الثانية: محكم ومتشابه القرآن والحديث
• في كتاب عيون أخبار
الرضا عن أبي حيون -مولى الرضا- عن الرضا (ع) قال: (مَن رَدّ متشابه
القرآن إلى مُحكمه هُدي إلى صراط مستقيم، ثم قال [ع]: إنّ في أخبارِنا
متشابهاً كمتشابه القرآن، ومُحكَماً كمُحكَم القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها،
ولا تّتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا).
• بيّن القرآن أن فيه (آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) وفيه
أيضاً: (مُتَشَابِهَاتٌ)... لماذا؟
1) طبيعة اللغة والبيان.
فالبيان الأدبي البلاغي يقتضي أحياناً استعمال المجاز، أي يكون المراد معنى
مستبطناً في المعنى الظاهر، من قبيل: (أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ
مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي
ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ79) [النحل].
• المعنى
الظاهر أنَّ لله يداً ويمسك بها الطيور وهي تطير كي لا تقع.
• هذا
مجاز ولذا فهو من المتشابه، وقد حذرنا القرآن من أن نأخذ بهذا المعنى الظاهر، وأن
علينا أن نرجع إلى الآيات المحكمة التي تمثّل مرجعية لتصحيح فهمنا، ولذا بيّن أن
الآيات المحكمات (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ)، والأم يعني ما نرجع إليه فيكون
مصدر فهمنا الصحيح للآية.
• ومن
المحكمات التي تصحِّح فهمَنا للآية: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى:11]
لئلا نضل.
2) محدودية قدراتنا على التصوّر:
فعندما تتحدّث الآيات عن العرش وعالم الملائكة وما يجري في يوم القيامة والجنة
والنار، هذا كلُّه من عالم الغيب بالنسبة إلينا، ولا نستطيع أن نتصور ذلك إلا من
خلال البيان اللغوي الذي يقرّب الصورة.
• وهكذا
عندما تتحدث الآيات عن الله بأنه خير الماكرين، وأنه سميع وبصير واستوى على العرش،
وغير ذلك من الصفات والأحوال، فإن هذا كله من البيان الذي يمكننا من تكوين
مفاهيم معينة، ولكن هذا لا يعني أنّ الحقيقة كما
تتصورها عقولنا، ولذا فهو من المتشابه.
• أبسط مثال يدلّ على ذلك
أنني لو طلبت من كل فرد منكم أن يرسم تصوره عن الجن، فكل منكم سيرسمه بالطريقة
التي يتخيلها، ولكن هل هي فعلاً كذلك؟ بالطبع لا.
• إذاً دائماً في
المتشابهات نرجع إلى المحكمات التي تعطينا قواعد وتوجيهات لئلا نضل. يمكن للآية
المحكمة أن توضح لنا الصورة، ولربما تطلب منا أن نتذكر أن هذا يفوق قدرتنا.
3) مقتضيات ظروف نزول الآية والسياق:
قد تستدعي اختصار البيان أو معالجة جانب واحد منه، فإذا استعجلنا وأخذنا بهذه
الآية فقط، فقد نختزن تصوراً ناقصاً عن الأمر.
• مثال: (حُرِّمَتْ
عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ.. 3)
[المائدة] لو اقتصرنا على هذه الآية لفهمنا أن كل دم محرم تناوله، ولذا سيكون أكل
اللحم أمراً غير ممكن تقريباً، لأن شيئاً من الدم يبقى فيه.
• ولكن عندما نجمع الآيات
التي تحدثت عن هذا الموضوع، هنا تتضح لنا الصورة، ومن ذلك قوله تعالى: (قُل
لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ
أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا.... 145) [الأنعام]. إذاً الدم
المسفوح هو المحرم وليس الباقي في الذبيحة.
• فقد كان المشركون يأخذون
دم الذبيحة ويجففونه ولربما مزجوه مع بعض المواد الغذائية وتناولوه، ونجد أن بعض
الأمم كالمغول كانوا وما زالوا يتناولون الدم المسفوح كطعام.
• وهناك أسباب أخرى ولكن
لا أريد الاسترسال في ذلك.
• ومثلما نعتمد ذلك في
القرآن الكريم، حذّر الإمام الرضا (ع) من الاستعجال في الأخذ برواية وصلتنا، فقد يكون
مضمونها من المتشابه، ولنلاحظ الرواية التالية في الكافي.
• عن محمد بن مارد قال: (قلت
لأبي عبد الله [ع]: حديث روي لنا أنك قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت؟) أي إذا
عرفت إمامتنا والتزمت بها وصرت من شيعتنا (فقال: قد قلت ذلك. قال: قلت: وإن
زنوا أو سرقوا أو شربوا الخمر) لاحظ كيف أدّى الكلام المتشابه في الرواية إلى
خلل في الفهم، وبأمر خطير يؤدي إلى الضلال كما حذّر الإمام الرضا (ع): (فقال
لي: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما أنصفونا أن نكون أخذنا بالعمل ووُضع عنهم،
إنما قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت مِن قليل الخير وكثيره، فإنه يُقبَل منك).
• لقد أوصانا النبي (ص) بأن نرجع إلى عترته الطاهرة من بعده كما نرجع إلى القرآن الكريم، فهما المرجِعان -على مستوى النص- في معرفة الدين، كما أنّ العقل مرجعٌ على المستوى التحليلي والتدبّري. وإذا كانت في القرآن الكريم آياتٌ محكمات وأخَرُ متشابهات، وأنّ الأخذَ بالمتشبهات دون الرجوع إلى المُحكمات قد يكون سبباً للضلال أو الخطأ في فهم المراد، كذلك فإنّ في ما رُوي عن العترة ما هو مُحكَم وما هو متشابَه، وهو ما يستدعي التريّث والحذر من الاستعجال في الأخذ بمضامينها، لاسيما وأن الروايات تواجه تحدياً إضافياً لا تواجهه الآيات القرآنية، وذلك أن في الروايات ما هو موضوع، أو محرَّف، أو نُقِل منقوصاً، أو أضيف إليه مما ليس منه، أو وقع الخطأ في النقل، أو التلقّي، أو كان خاصاً بظرف معيَّن لم تُذكَر لنا خصوصياتُه، أو غير ذلك. ولذا نبّه الإمام الرضا (ع) إلى ذلك حيث قال: (إنّ في أخبارِنا متشابهاً كمتشابه القرآن، ومُحكَماً كمُحكَم القرآن، فردّوا متشابَهِها إلى محكَمِها، ولا تّتبعوا مُتشابَهِها دون مُحكمها فتَضلّوا).

Comments
Post a Comment