خطبتا صلاة الجمعة 28 شوال 1447 - 17 أبريل 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم



 الخطبة الأولى: رسالة شهر ذي القعدة

نحن على مشارف شهر ذي القعدة، الذي أخذ هذا الاسم بلحاظ أنه الشهر الذي يقعد فيه الناس عن الاعتداء على بعضهم البعض، وينحون فيه للسّلام، ويؤمِّنون فيه طريقَ سفر الحُجّاج آنذاك إلى مكة المكرمة.

وذكره القرآن: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ... 36) [التوبة].

فالله يريد لنا أن نعيش تجربة السلام مع بعضنا البعض من حينٍ إلى آخر. ليس بالضرورة أن يكون كلامُنا عن الحروب كي نتحدث عن السلام، فحياتُنا اليومية مليئة بصور النزاع والخلافات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية وغيرها... فلماذا لا نجرّب السلم؟

كما يهتم البعض بالإتيان ببعض المستحبات العبادية في هذا الشهر، وهذا مطلوب، فلنهتم أيضاً بأن نجعل شهر ذي القعدة شهر القعود عن المنازعات في المنزل، وفي مقر العمل، وبين الجيران، وفي الشارع، وحيثما حللنا، فهذا يتناسب مع إرادة الله تعالى في أن يكون هذا الشهر من الأشهر الحُرُم، وكما نبحث عن السلام الروحي في الجنة فلنجعل بعضاً من أيام عمرنا هذه في سلام: (..... قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ 15 يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ 16) [المائدة].


 الخطبة الثانية: بين الآخرة وتناسخ الأرواح

انقسم الناس في موقفهم مما بعد الموت إلى ثلاثة أقسام:

1)  من يعتبر أن الموت نهاية المطاف

2)  من يعتبر أن الموت مرحلة في حياة الإنسان، وتعقبها حياة ثانية أخروية

3)  الموت مرحلة في حياة روح الإنسان، وتعقبها سلسلة متعاقبة من الحياة (التناسخ)

خلاصة فكرة تناسخ الأرواح هي: (رجوع الروح إلى الحياة بجسد آخر، إنسي أو حيواني أو نباتي أو غير ذلك في هذه الدنيا).

تبنّت بعض الديانات والمذاهب ذلك، واختلفت في تفسيرها وبعض خصوصياتها، ومنها الهندوسية، والسيخية، والبوذية، والقبالا اليهودية، وتبنّى الدروز والعلويون (التقمص: انتقال روح بشرية إلى جسد بشري فقط).

وفي ضمن أبحاث الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) في القرن التاسع عشر، ادّعى لويس فيجيه -على سبيل المثال- وهو صاحب عدة مؤلفات في هذا المجال العلمي أن (تناسخ الأرواح هو أقدم تصور فلسفي اخترعه البشر لتفسير أصلِهم ومصيرِهم، وأن فكرة الخلود الأخروي كما في الإسلام والمسيحية ما هي إلا تطوير لهذه الفكرة القديمة).

إذاً، بحسب هذا المدّعى، فإن مفردة الإيمان بالآخرة كما يؤمن بها المسلمون:

1)    ليست أصيلة ولا حقيقية..... 2) هي تطوّر لفكرة تناسخ الأرواح.

فما هو موقفنا -كمسلمين مؤمنين بالقرآن الكريم- من هاتين النتيجتين؟ مع التنبيه إلى أنني -هنا- لست بصدد الرد على الإيمان بالتناسخ أو التقمص، بل مجرد بيان ما نتبناه كمسلمين مؤمنين بالقرآن:

1. الإيمان بالبعث والمعاد والحساب والثواب والعقاب حقيقة أصيلة دلّت عليها آيات قرآنية تجاوز عددها الألف من أصل 6236 آية هي مجموع آيات القرآن. أي سُدس القرآن تقريباً.

2. هذه المفردة الإيمانية من العناوين التي طرحها الأنبياء (ع) منذ نوح إلى نبينا (ص)، فقد جاء على لسان المشركين: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ3.... كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ12 وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ13 وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ14 أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ 15) [ق].

بل إنّ الآيات القرآنية التالية تؤكّد معرفة آدم وحواء بذلك أيضاً، ما يعني أن هذه الحقيقة الإيمانية كانت مطروحة منذ بداية النسل البشري الممتد منهما.

ففي سياق الحديث عن الأكل من الشجرة المنهي عنها: (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ  

وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ 24 قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ 25) [الأعراف]. وفي سورة البقرة في نفس السياق:

(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ 38 وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ 39).

3. بتتبّع معطيات آثار الأمم التي دَوّنت شيئاً من معتقداتها، كمصر والرافدين والإغريق، أنّ الإيمان بالآخرة -إجمالاً- فرَض نفسه على الرغم من موجة الإنكار التي نقلَها القرآن عن بعض أمم الأنبياء.

4. تمّ تحوير هذه المفردة الإيمانية بالصورة التي تُناسب أغراض وغايات أصحاب القوة والنفوذ من الحكّام والكهنة وغيرهم في تلك الأمم والملل، ومن ذلك ما طرحه قدماء المصريين حول هذه المفردة، مما دفعهم إلى التحنيط، وغيرها من تفاصيل إعداد الميت للحياة الأخرى... وهكذا هو الحال بالنسبة إلى تناسخ الأرواح أو تقمصها.

5. الإيمان بالآخرة يعني الإيمان بحياة واحدة جديدة عند البعث والقيامة، بينما في عقيدة التناسخ والتقمص هناك تعدد وتكاثر للحياة ما دامت الروح حية.

6. الإيمان بالآخرة يعني الحياة في عالم آخر مختلف عن الحياة الدنيا، بينما في عقيدة التناسخ والتقمص تكون الحياة الجديدة المتكررة ضمن الحياة الدنيا هذه.

7. الإيمان بالآخرة لا يعني مطلق العودة إلى الحياة، بل: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ 156) [البقرة]، (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ 6) [الانشقاق]، وفي هذا اللقاء  حساب دقيق ثم ثواب وعقاب، وليس الأمر كذلك في عقيدة التناسخ والتقمص.

إنّ الإيمان بالآخرةِ والمَعادِ والثواب والعقاب والجنةِ والنارِ ركنٌ أصيل في الرسالات السماوية، وحقيقة لا يشك فيها المسلم، وقد رسّخ القرآن الكريم هذه المفردة الإيمانية في أكثر من ألف آية، أي ما يوازي سدس الآيات القرآنية، وادّعاءُ تطوّرِها عن عقيدةِ تناسخِ الأرواحِ أو التقمّص ادّعاءٌ لا يقوم على دليل، ومجرّد رأي تحليلي، وهو -من دون شك- مقولةٌ باطلةٌ وفق المنظور الإسلامي.


Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait