خطبتا صلاة الجمعة 13 ذوالقعدة 1447 - 1 مايو 2026 - مسجد سيد هاشم بهبهاني - الكويت - سماحة الشيخ علي حسن غلوم

 





الخطبة الأولى

في حكم نهج البلاغة: (الْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ، وَالْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، وَالْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ).

• المرآة تُقدّم لك الصورة، وكلما كانت المرآة أكثر صفاء، كلما كانت الصورة أكثر وضوحاً.

• إذا أردت أن تعرف كيف هي هيئتك فعلياً قبل أن تخرج من المنزل فإنك تستعين بالمرآة.

• وأما إذا افترضت أنك متهيئ، وأنّ مظهرَك مناسب، وخرجت، فقد يكون لأمر خلاف ذلك، فهذا يعلّق ساخراً، وذاك ينبّهك إلى موضع الخلل، وثالث يسألك إشفاقاً إن كان بك بأس.

• وهكذا، عندما تريد أن تتضح لك الأمور، وتصل إلى الحقائق، فكّر، فالتفكير والتحليل والتمحيص يقودك للمعرفة.

• وأما أن تأخذ الأمور كما هي (على عماها)، فقد يعرّضك لنفس تلك المواقف المحرجة.

• فالتفكير هبة إلهية، وقوة ذاتية يمكنها أن تعينك للاستدلال على ما هو الصواب والخطأ، والتمييز بين الحق والباطل، في القضايا النظرية، والعلمية، وفي القرارات التي تتخذها، وفي تقوية العلاقة بالله: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ190 الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ191) [آل عمران].

ومن جميل ما عن الإمام الصادق (ع) واصفاً عبادة الصحابي أبي ذر: (كان أكثر عبادة أبي ذر رحمه الله التفكر والاعتبار).

 

 الخطبة الثانية:

في سورة النساء توجيهات وتشريعات تخص العلاقات الإنسانية المتعددة، ومن نماذج ذلك:

1ـ العلاقة باليتيم من خلال ممتلكاته: (وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) [الآية 2] وأخرى تناولت ذات الموضوع.

2ـ العلاقة الزوجية وآثارها كالمهر، والطلاق، والخلافات الزوجية، وتوارث الزوجين، والقِوامة: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [الآية 34]، وآيات أخرى.

3ـ العلاقة بين الورثة وصاحب المال، من قبيل الآية 7: (لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا).

4. علاقة المحارم بعضِهم ببعض، وهو ما نجده في الآيتين 23 و24: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) إلخ الآية.

5ـ تأكيد حق الملكية الفردية، وحرمة التعدي عليها، والقانون العام الذي يحكم انتقال المال إلى الفرد الآخر، من قبيل الآية 29: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ).

6ـ حُرمة النفس البشرية: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [الآية29]، سواء أفسّرنا العبارة بحرمة الانتحار أو حرمة قتل الإنسان الآخر. وكالآية 92: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً).

7ـ العلاقة بين أفراد الأسرة، والجيران، والمحتاجين، والعبيد، والأصدقاء: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ...) إلخ الآية 36.

ومن هنا نفهم لماذا بدأت السورة بقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. وأريد أن أسجل ملاحظتين:

الأولى: هذه الآية تقول: عندما تُقبلون على التعامل مع الآخر، أو التصادم به، أو التنازع معه، تذكروا أن أصلكم واحد.. تذكروا أنكم في النهاية تلتقون في أب واحد، وأم واحدة.

إذاً هناك عاملان ذاتيان للردع، عامل (التقوى) التي يجب أن تكون حاضرة وفاعلة كي تردع الإنسان عن العدوان على الآخر، وتصحح طبيعة سلوكه، وعامل (الإنسانية) التي

يُفترض بها أن تعين التقوى أو تسد مسدَّها لو فقد الإنسان تقواه.

الملاحظة الثانية: تأكيد الآية -والسورة- عموماً على أن المرأة مشمولة بعنوان الإنسانية، تماماً كالرجل.

وقد لا ندرك أهمية هذا الطرح إلا إذا رجعنا إلى زمن النزول حيث سنكتشف حينها أن أكثر الأمم والأديان إما كانت تسلب هذه الصفة عن النساء، بل واعتبرتهن رجساً محضاً، وإما أنها اعتبرت المرأة إنساناً من الدرجة الثانية تُملَك وتُورَّث، ولا تَملِك ولا تَرِث.

وهذا ما يدفعنا إلى التأكيد على أن الإسلام دين الإنسانية، وأن الإنسان من المحاور التي اعتنى بها الدين في تعاليمه وتشريعاته وأخلاقياته، ولا معنى لاحتجاج بعض الإسلاميين على صفة (إنسانية العمل)، والاقتصار على صفة (إسلامية العمل).

إنّ هؤلاء لا يُدركون أننا عندما نؤكد على عنوان الإنسانية إنما نتناغم مع القرآن الكريم في طرحه، دون أن نتخلى عن عنوان الإخلاص في العمل لله سبحانه، والتقرب إليه، والاعتزاز بديننا الإسلامي.

• لقد جعل الإسلامُ الإنسانَ أحدَ أهمِّ المحاورِ التي دارت حولها التشريعات والتوجيهات والوصايا الإلهية في القرآن الكريم، لا مِن أجل أن تتضخّم الذاتُ الإنسانيةُ وتترفّع إلى مرتبة الإلوهية، أو تتمرّد على الله تعالى، بل مِن أجلِ وَضْعِ الإنسان في مكانِه المناسب، ومسارِه الصحيح، بحيث يستطيع مِن خلال ذلك أنْ يَعرف مِن أين أتى، ولماذا أتَى، وإلى أين يتّجه، وكيف يُهيّئ هذا المقصد ويُعِدُّه بالصورة المناسبة، وما هي مسئولياتُه تجاه خالقِه، وما لهُ وما عليهِ، وكيف يتعامل مع أبناء جنسهِ ضمن الأبعاد المتعدِّدة للعلاقات الإنسانية، بما يحفظ حقَّه كفرد، ولا يبخس الآخرين حقوقَهم.

Comments

Popular posts from this blog

The Friday sermon for July 24, 2026 (corresponding to 9 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait

نمازِ جمعہ کے دو خطبے، 2 رمضان 1447ھ - شيخ علي حسن

The Friday sermon for July 17, 2026 (corresponding to 2 Safar 1448 AH) - Sayed Hashim Behbehani Mosque - Sheikh Ali Hassan Ghuloum - Kuwait